بقلم جواد شهباري

تقديم:
قدمت “فرقة أمزيان” للمسرح عرضها الأول لمسرحية”أهارذف”يومه الأحد 13غشت 2017بقاعة العروض التابعة للمركب الثقافي بالناظور .المسرحية من تأليف الشاعرة” مريم مريامي” ؛وإخراج الفنان” ياسين بوقراب”، تتحدث المسرحية عن كاميليا تلك الفتاة الجميلة التي وقعت في حب”عمار”؛ وهو حاصل على الإجازة في الفنون التشكيلية، لتتزوجه بعد وفاة أبيها رغم معارضة أمها “لويزة “لهذا الزواج ،لتبدأ “كاميليا”حياة كر وفر بين أمها العنيدة وزوجها الغريب الأطوار.
فما هي المكونات الفكرية والجمالية للمسرحية؟
وما هي أبعادها الدرامية؟وكيف قدمت الفرجة للجمهور الناظوري؟
1_1المكونات الفكرية:
استهلت المسرحية بظهور ثلاث شخصيات ترتدي زيا أبيضا ملطخا بالأسود يصارع الإثنان منهما الواحد منهم ،وشكلو بذلك صراع الشرين بخير واحد ،كأن الفكرة هنا أن الإنسان معرض لثوى شر متعددة ،في حين يمكنه أن يعول على قوة الخير فيه ليضل لمبتغاه،لكن الصراع لم ينته بصفة نهائية كأن المخرج يود أن يوصل لنا أن صراع الخير والشر هو صراع أزلي لا ينتهي ،بعد ذلك يظهر لنا رجل شهم كثيف الشعر بزي رسمي في برولوك وهو يتناول خمرته وشمعته الوحيدة تنير المكان_ وهو يستيقظ من حلم مزعج ذلك أن المشهد يدل على أن الشخصيات السالفة الذكر لم تكن سوى شخصيات لحلم مزعج او بالكاد هي الضمير الذي ظل يعذب صاحبه لسنوات طوال.
عند استيقاظه من النوم يحاول الرجل أن يقدم لنا اطوار المسرحية ويروي لنا وقائعها فالظاهر أن الرجل محام قضى 8 سنوات سجنا نافذة بعد تورطه في جرائم السطو ومحاولات السطو على أملاك الغير والتزوير والتخويض وذلك بمعية لويزة زوجة أب كاميليا التي كانت تعتبرها أمها الحقيقية ليتبين بعد ها عكس ذلك، ينتقل بنا المخرج بعدها إلى مشهد حي بعد دخول الشخصيات واحدا تلو الآخر يتقدمهم اعمار بأغاني من ادائه داخل المنزل إلى صراعي ثنائي القطبين بين ثنائي” لويزة” و”المحامي” وثنائي” عمار” و”كاميليا” اللذين يعيشون صراعا دائما ينتهي المشهد بإلحاح لويزة على ابنتها بضرورة الاستيقاظ في الصباح الباكر من أجل الذهاب لأكادير لتوقيع مجموعة من الوثائق تتعلق بالإرث ،يليه مشهد ثنائي بين عمار وكاميليا والأخير يذكر مناقب لويزة لتوقفه كاميليا وتذكره بأنها امها ولذا جب عليها احترامها.
وذلك قبل أن يعود الإثنان إلى حياتهما الطبيعية الرومنسية قبل أن يغالب النوم” كاميليا “وهي تؤنس “عمار داخل ورشته للفن التشكيلي لتعبش بعد ذلك احلاما مزعجة أيقظتها من النوم مرتين.
هذه الليلة كان من المرتقب أن تأتي الأم إلى المنزل صباحا من أجل اصطحاب ابنتها إلى أكادير رفقة محامي العائلة لتوقيع مجموعة من الوثائق تتعلق بإرثها ،الأمر الذي لم يحصل بعد أن عاشت الإبنة كابوسا مزعجا لم يمكنها من النهوض من النوم، لتذهب الأم وحدها منزعجة من ابنتها قبل أن تلقى حذفها بسبب حادثة سير. لتنتهي المسرحية بوفاة “لويزة”،فيكشف المحامي ألاعيبها رفقة الأخيرة لكاميليا التي لم تكن سوى أبيها فبعدما كانت عرابة كاميليا في صغرها وبعد وفاة أمها تزوجها الأب لألا يحرم ابنته من حنان الأمومة لتتحول بعد ذلك إلى أفعى سامة بعد محاولاتها السطو على أملاك كاميليا رفقة عاشقها محامي العائلة، عند سماعا للحقيقة المرة كاميليا فقدت صوابها، في حين غادر “عمار”المنزل لوجهة غير محدودة بعد أن فضح ألاعيب الإثنين بعد أن كان شاكا في أمرهما لكنه لم يبدها لهم إلا بعد اعترافات المحامي.
1_2:المكونات الجمالية:
من المتفق عليه أن المسرحية تعالج قضايا إنسانية وفكرية أهمها أن الحب_ الذي لا يخضع للقوانين فقصة الحب بين كاميليا الفتاة الشابة الغنية والفتى المهبول والغريب الأطوار “عمار” الذي التقته في الجامعة لخير دليل على ذلك ؛فالحب إذن لا يخضع لقوانين محددة ولا يستند إلى لالتقاء القلبين ولا شأن لأحد في ذلك لتغيير علاقة بين متحابين_؛ المواجهة؛ التحدي؛ الطمع؛ الجشع؛ الخداع…وغيرها من الصفاة الدنيئة للجنس البشري ؛بالمقابل تم توظيف مكونات جمالية وفنية ساهمة في متانة معمار المسرحية ومنها:
_البرولوغ(مقدمة):حيث يظهر الراوي/المحامي: ويقدم لنا مادة التمسرح ويبني حكايتها انطلاقا من تقديمه لنفسه ولشخوص المسرحية وماضي كل منها على حدة. في حين ينتهي العرض بإبيلوغ(خاتمة): بنفس الطريقة التي ابتدأ بها
فنعي بذلك أن المسرحية دائرية انتهت حيث بدأت ،فالمحامي نفسه من فتح خيوط الحكاية وأغلقها وعاش بالمقابل أطوارها.
أما أحداث المسرحية التي هي عبارة عن مشاهد متداخلة، فهي متسلسلة بشكل غير متقطع، لا زمنيا ولا مكانيا، ودون خرق للوحدات الثلاث (الزمن، المكان، الحدث). فالأحداث تتطور عارضة المشكل في البداية، ثم تأزيمه وتذليل العقبات بعد ذلك. وظهور الإنفراج في الأخير.
الحبكة إذن متسلسلة تسلسلا منطقيا (عرض أفعال إنسانية، ظهور أزمة وتطورها، الدخول في صراعات نفسية ومادية ، حلول لهذه الأزمة وانتفاء للصراع بغلبة طرف على آخر). بخصوص وحدة الزمن يمكن تقسيمه إلى قسمين زمن الحاضر وهو زمن الراوي /المحامي وزمن
الماضي زمن أحداث المسرحية وهو زمن ما قبل ثمان سنوات.حيث تدور أحداث المسرحي في ظريف قصير لا يتجاوز الإثنا عشر ساعة بين قدوم لويزة والمحامي لمنزل كاميليا وعمار إلى غاية مجيئ المحامي وحده صباحا.لكن تتداخل في هذا الزمن أزمنة أسطورية سامت في رسم معالم أحداث المسرحية.
أما في ما يخص المكان فالأحداث جميعها تدور في بيت كاميليا وزوجها عمار إلا من أمكنة أخرى تتم الإشارة إليها فقط.
في حين ان أحداث المسرحية منقسمة لقسمين أحداث واقعية جرت بين الجدران الأربع وأخرى أسطورية تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة والشخوص .
ولتحقيق الفرجة المسرحية تم توظيف ديكور مرن وخفيف عبارة عن اربع قطع خشبية سوداء اللون مزركشة بطوابع يد بيضاء استعملها الممثلون استعمالا حسنا فتارة هي أبواب غرف المنزل واحيانا هي عرف تغيير الملابس وأحيانا هي لوحات فنية لعمار.اما الأدوات في قليلة جدا لكنها لعبت وظائف مختلفة
فالإناء الحديدي هو نفسه أداة لتعذيب كاميليا من طرف “ثامزا “هو نفسه حصان الهروب منها وهو كذلك سرير للنوم ومنبر للخطاب. في حين تم استعمال الشمعة للإنارة وزجاجة الخمر للتعبير عن مأسات المحامي بعد خروجه من السجن بسبب ألاعيبه.
أما الموسيقى التصويرية فكانت متنوعة بين موسيقى جاهزة وأخرى فغناة فوق الركح ومنها ما أداه عمار من أغنية “اراشيدة لمصطفى ترقاع” إضافة إلى مقاطع من إزران لالة بويا والموسيقى المصاحبة لمختلف أطوار العرض إضافة إلا مؤثرات صوتية قدمة وجبة موسيقية دسمت للجمهور.
يمكن تقسيم المسرحية إلى أبعاد مختلفة:
2_1:البعد الفلسفي:
تناقش المسرحية الحلم باعتباره أحد المكونات الحدسية للعنصر البشري؛ فالحلم يُعرَّف على أنه نشاط تفكيري يحدث استجابةً لمنبه أو دافعٍ ما، وهو عبارة عن سلسلة من الصور أو الأفكار أو الانفعالات التي تتمثل لعقل المرء أثناء النوم، وقد وصف بعضهم الأحلام بأنها مسرحيات تحدث في الذهن وتصور بعض الجوانب اللاشعورية من حياة النائم.والدوافع أو المثيرات التي تثير الأحلام بعضها سيكولوجي مثل الرغبات العدوانية والتي تُكبت في الوعي، أو قد يكون المثير فسيولوجياً مثل امتلاء المعدة بطعام ثقيل قبل النوم مما يؤدي إلى حصول أحلام أو كوابيس. فهو إذن انعكاس للواقعية الحياتية، إذ يعبر عما يخالج أنفسنا من أحاسيس وانفعالات وغيرها ،فيترجمها العقل الباطني أو
الأنا الأعلى إلى أحلام قد يرى فيها الإنسان بعضا من ماضيه إن هو أماط اللثام عنها ،وقد يرى فيه مستقبله الذي يكون نتيجة لتراكم المشاعر والمكبوتات الإنسانية والأحاسيس الدفينة التي تخالج النفوس البشرية فيترجمها العقل الباطني إلى حدس يمكنه أن يتحقق على المدى القريب أو البعيد ونرى ذلك جليا في مسرحية “أهارذف” عند شخصية “كاميليا” التي رأت في منامها أحلام مزعجة كانت السبب في نجاتها من جشع زوجة أبيها.
2_2:البعد الأسطوري الحكائي الغرائبي:
باعتبارها شاعرة ريفية قامت مؤلفة المسرحية مريم مريامي بتوظيفف الأساطير والحكايات الشعبية لتطعيم أطوار المسرحية فوظفت شخصيات من قبيل”نونجا”،و”ثامزا”،و”الأشباح”…وحولتها إلى شخصيات ساهمت في رسم معالم هذه المسرحية، إذ عمدت المؤلفة إلى خلق هذه الشخصيات في حلم كاميليا فترى أنها قامت باختطافها وتعذيبها لتقوم بذلك بالهروب رفقة حمو قبل أن تمسك لها ثامزا وأمزيو فيقومان بالتهامهما.
البعد الشكلي: انقسمت المسرحية إلى قسمين قسم الواقعية حيث تجري أحداث المسرحي داخل سقف المنزل وقسم الأسطورة التي عبر عنها المخرج بحلم مزعج تعيشه كاميليا اثناء نومها.
2_3:البعد الفني:
اعتمدت المسرحية على مجموعة من الأساليب الفنية لإيصال فكرتها للمتلقي وذلك عبر توظيف الغناء الحي والفن التشكيلي والرقصات التعبيرية والموسيقى المصاحبة لتشكل بذلك دعامة اساسية في رسم اطوار المسرحية.
رغم نجاح العرض المسرحي إلى أنه جدير بالذكر أن أداء الممثلين فوق الخشبة كان متواضعا وذلك راجع لعدم خبرة غالبيتهم في التعامل مع خشبة المسرحة ومعانقة الجمهور ،في حين وجب تطوير فكرة المسرحية لتكون اكثر اتساعا وبالتالي أكثر تعبيرا عن الأحاسيس الإنسانية الدفينة.
خاتمة:
يمكن اعتبار مسرحية” أهارذف”نقلة نوعية في المسرح الأمازيغي بالناظور بعد اقتصار الأخير على مواضيع تهم الأرض والهوية والصراعات الثقافية والإجتماعية فإن مسرحة “أهارذف”تناقش قضايا اجتماعية أكثر اتساعا .وبذا قد تسيل أقلاما عدة في سليلها إن أعيد النظر في أحداثها وتطوير أداء ممثليها.

Capture1

Capture5

20106785_756364314564901_5317277509733492003_n

20732891_333694710401529_400993_n

20770309_335862550184745_1637101431331002040_n

Capture6

Capture9