عبد الحفيظ الشريف/ باحث مغربي مقيم بمدينة أمستردام بهولندا :

نروم من خلال هذه المحاولة الأولية الإجابة عن سؤالين أساسيين يكمنان في: ماهي خلاصة قراءة الفيلسوف المغربي الكبير المرحوم محمد عابد الجابري للتراث العربي الإسلامي؟ و ماهي طريقة تعامل الأستاذ الجابري مع أدواته المنهجية التي استدان بها؟ و في الأخير ما طبيعة العلاقة بين رؤية الجابري و منهجه؟

إن المتأمل في كتابات الفيلسوف المغربي المرحوم محمد عابد الجابري الأولى منها خاصة1، يلحظ غياب الدعوة الى تبني منهج معين جاهز، و هي دعوة إعتبرها جد إيجابية و هذا ما دفعه في كتاباته المختلفة الى نقد كل تطبيق لمنهج جاهز سلفا2.و المناهج عند الأستاذ الجابري، لا تعدو أن تكون سوى أدوات يوظفها دونما إرتباط حرفي بصورتها الأولية وإن هذا التطبيق لم يكن بمحض إختياره3، بل إنها عملية تتم تحت ضغط سلط قاهرة لم يستطع الأستاذ الجابري الإنفكاك منها، إذن فكيف السبيل الى إستقلال للعقل العربي الذي يعيش تحت وطاة استلاب الآخر ممثلا في آلياته و مفاهيمه ومناهجه؟

يقول الأستاذ كمال عبد اللطيف :” لقد إنتقد الجابري المنظومة المرجعية الغربية الليبرالية و الماركسية و الدوغمائية و قد أطلق عليها إسم ” سلف الليبرالي و الماركسي العربي و قد انتقد المنظومة العربية والإسلامية سلف الشيخ و أثناء نقده للمنظومات المرجعية المذكورة كان يستعين بالتراث الفلسفي الغربي في أبعاده النقدية، إستعارة لمفاهيم و نماذج تحليلية فلسفية معاصرة و هيمنة إيحاءات النهضة الأوربية على مشروعه النقلي ككل، فهل يتعلق الأمر بتوفيقية جديدة؟ وهل الاستقلال المقصود مزيج من قبيل ما ذكرناه؟”4.

إن الأستاذ الجابري بذلك التوفيق بين مناهج و نظريات متعددة، كان يهدف الى محاولة إغناء الفكر العربي بآخر المستجدات و التطورات في مجال الفكر و الفلسفة في الغرب، ومن جهة ثانية الى تحقيق المعاصرة التي ظل الفكر العربي لردح من الزمن ينشدها و يرنو الى تحقيقها، و ظل الواقع العربي السياسي5 منه خاصة يسعى دوما صوب تمثلها لكن دون جدوى، و يتم ذلك كله – التوفيقية- باسم الإجرائية، و باسم جبرية مقنعة مفادها أنه لم يعد التفكير اليوم في الواقع العربي الراهن ممكنا بعيدا عن هذه المفاهيم و عن هذه المناهج و النظريات التي برزت في الغرب الحديث و المعاصر، لتجيب على تساؤلات و إشكالات هذه الحضارة الحديثة، و العالم العربي اليوم لا يملك الإختيار بين النموذج الغربي، و مانحلم به من نموذج أصيل نستعيده و نستوحيه من تراثنا الفكري الحضاري، فإن الفكر العربي بدوره لا يملك الإختيار بين مفاهيم الفكر الغربي و مناهجه6. يقول الأستاذ الجابري ” مشكلة المنهج بالنسبة لموضوعنا ليست مشكلة إختيار بين منهج تاريخي وآخر و ظيفي و ثالث بنيوي… إلى آخر القائمة، و قد يصلح إلا عندما يكون منفصلا عن الذات يتمتع بإسقلاله النسبي – كاملا- فلا يدخل في تكوين الذات، و لا تدخل في تكوينه بكيفية مباشرة، وإذن فعندما يتعلق الأمر بموضوع هو نفسه جزء من الذات، و الذات جزء من التراث عموما، فإن مشكلة المنهج تصبح حينئذن مشكلة الوسيلة التي تتمكن من فصل الذات عن الموضوع، و الموضوع عن الذات، حتى يمكن إعادة العلاقة بينهما على أساس جديد7.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، كيف السبيل إلى تحقيق هذا الفصل بين الذات ،الذات الدارسة و الموضوع المدروس؟ و كيف تساهم المناهج التي إنتقاها الأستاذ الجابري في تحقيق هذا الهدف؟

يطرح الأستاذ الجابري خطوات منهجية ثلاثة، للمضي قدما في سبيل تحقيق الهدف، عنيت “الموضوعية”**.

الخطوة الأولى: وهي المعالجة البنيوية، و يقصد بها دراسة التراث من خلال النصوص كما هي، إن لفظ كل ما هو قبلي، من معطيات و طرائق للفهم، أو وضعها بين قوسين، و الاقتصار على التعامل مع النصوص كمدونة، ككل تتحكم فيه الثوابت ويعتني بالتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد، إن القاعدة الأساس في هذه الخطوة، هي تجنب قراءة المعنى قبل قراءة اللفظ.

الخطوة الثانية: هي التحليل التاريخي، ويتعلق الأمر أساسا في هذه الخطوة بمحاولة ربط الفكر بصاحبه أي صاحب النص الذي أعيد تنظيمه حين المعالجة البنيوية و ربطه بمجاله التاريخي بكل أبعاده الثقافية و الإجتماعية و السياسية و هذا الربط بالنسبة للأستاذ الجابري ضروري من ناحييتين: من ناحية الفكر المدروس و جينالوجيا*** و ضروري لاختيار صحة النموذج البنيوي الذي قدمته المعالجة السابقة.

الخطوة الثالثة: وهي الطرح الإيديولوجي، و المقصود منه الكشف عن الوظيفة الإيديولوجية، الإجتماعية و السياسية، التي زاولها الفكر، داخل الحقل الابستملوجي المعرفي الذي ينتمي إليه و يرى الأستاذ الجابري أن الكشف عن المضمون الايديولوجي للنص التراثي هو الوسيلة الوحيدة لجعله – التراث – معاصرا لنفسه و لإعادة التاريخية إليه.

من خلال هذه الخطوات المنهجية التي يطرحها الأستاذ الجابري، و التي يعمد من خلالها إلى تحقيق مبدإ الموضوعية في الممارسة التراثية، تتبادر إلى الذهن جملة من التساؤلات الإشكالية، أولها لماذا جنح الجابري إلى إنتقاء هذه المناهج من بين عشرات المناهج الموجودة؟ فضلا عن كونه حاول أن يتعلق هده المناهج على التراث كيف شاء دون الإشارة الى المضامين الأصلية لهذه المناهج ودون الإيماء إلى فلسفاتها الأصلية و على أية مرحلة شاء و على أي نموذج من الفكر و المفكرين شاء؟ إذن فما هي المنزلقات التي سقط فيها الأستاذ إثر تطبيقه لهذه المناهج على التراث العربي الإسلامي؟

إن الأستاذ الجابري بعدم تحرره من المناهج الجاهزة و بإستخدامه لعدد منها كالمنهج التاريخي و المنهج البنيوي و المنهج المعرفي ” الإبستمولوجي” و الإيديولوجي، قد إنطلق من نفس المنطلقات التي رسمها أصحاب هذه المناهج الأصليين، ذلك بالنظر الى الإنسان و يعنى جانب الشعور و الوعي لديه، هنا يتم التعامل من خلال النص، و النص وحده وذلك بالإعتماد على المنهج البنيوي أو المعرفي أو بهما معا، أما حين تطبيق المنهج التاريخي فإن الإنسان كفرد يتم تعيينه كلية، و ليس فقط الجانب اللاشعوري منه، ذلك لأنه حسب المنهج التاريخي فإن ما يمثل جاني اللاشعور لدى الأنسان، هي العوامل الإقتصادية و الإجتماعية، بتعبير آخر لا يأخذ بعين الإعتبار العوامل الفردية أو الذاتية، بل هذه في الأصل تكون تابعة و عبارة عن إفرازات للعوامل الإجتماعية.

وزيادة على ما أسلفنا ذكره، فإن حصيلة الأستاذ الجابري في تطبيقه لهذه النماذج من المناهج على بعض أعلام التراث العربي الإسلامي، خاصة في أبحاثه و دراساته عن الفارابي و ابن رشد و الغزالي و ابن خلدون، كانت الحصيلة لا تختلف عن النتائج التي توصل إليها بعض المستشرقين، يكفي أن نستدل بمثال فقط، يكمن في إيلاء الفكر النهضوي العربي كل هذه الأهمية و العناية لابن رشد، مقابل نعت فلاسفة آخرين ب”اللامعقول”، أو ب”العقل المستقيل”، يقول الفيلسوف العربي أبو يعرب المرزوقي :” يكفي أن لا ننسى … أن سخافات رينان، التي أدت دورا حاسما في جدل الفكر النهضوي العربي و لا تزال فاعلة خاصة في أسطورة الرشدية الجديدة” و يزيد فيقول: ” إنما أسطورة إبن رشد قشرة من ألقاها رينان، فكانت على سبيل الإرتماء القصدي في تحديث التخريف عبر بر التجديف لكل من تصور التفلسف مقصورا على مجرد التوظيف”8 ، فعلى الرغم من نفي الأستاذ الجابري كونه يصدر عن توجهاتهم و عن مواقفهم من التراث، و على الرغم من الاختلافات بين رؤية و مناهج الأستاذ الجابري ورؤى المستشرقين، فالعبرة بعموم النتائج لا بخصوص المقدمات كما يقال.

بعد هذا العرض الموجز ة المقتضب لبعض الخطوات المنهجية التي إعتمدها الأستاذ المرحوم محمد عابد الجابري في ممارسته المنهجية للتراث، سنعمد الى الحديث عن بعض تمظهرات الماركسية في الآليات المنهجية التي إعتمدها في دراسته للتراث العربي الإسلامي. لاريب أن المتأمل لكتابات المرحوم الأستاذ الجابري، يلحظ غياب الماركسية كأدلوجة تؤطر تفكيره الفلسفي و حضورها كمنهجية، تتجلى في جملة المفاهيم التي توظفها و على مستوى المناهج المنتقاة، كالمنهج التاريخي و هذا ما يفسره لنا كيف أن الأستاذ الجابري قد عاب على كثير من الماركسيين العرب، تطبيقهم للماركسية، و المادية التاريخية كمنهج مطبق و ليس كمنهج للتطبيق.

يقول الأستاذ الجابري: ” هناك أخيرا صورة عصرية أخرى ماركساوية الادعاء أخذت تزاحم، منذ بضع سنين، الصورة الإستشراقوية لتراثنا، هذه الصورة الماركساوية تتميز عن سابقتها بكونها تعي تبعيتها ل الماركسية و تفاخر بها و لكنها لا تعي تبعيتها الضمنية للإطار نفسه الذي تصدر عنه القراءة الإستشراقوية لتراثنا، إن الأحادية التاريخية التي تحاول هذه الصورة اعتمادها، كمنهج مطبق و ليس كمنهج للتطبيق، مؤطرة داخل إطار المركزية الأوربية، إطار عالمية تاريخ الفكر الأوربي، بل التاريخ الأوربي عامة، و إحتواءه لكل ماعداه، إن لم يكن على صعيد المضمون و الاتجاه فعلى الأقل، و هذا أكيد على صعيد المفاهيم و المقولات الجاهزة،… و هذا ما يجعل الصورة الماركساوية لتراثنا العربي الإسلامي تقوم هي الأخرى على الفهم من الخارج لهذا التراث، مثلها مثل الصورة الإستشراقوية سواء بسواء9″.

الهوامش:

*المنهجية: نهج نهجا أي سلك طريقا بغية الوصول الى الغاية، و المنهاجية يمكن أن نعتبرها علم بيان الطريق و الوقوف على الخطوات… أو الوسائط التي يتحقق بها الوصول الى الغاية، على أفضل و أكمل ما تقتضيه الأصول و الأحوال، و الطريق قد يطول وتعتريه الكثير من العوارض و تتعدد فيه المنازل، فمابين المنحنيات التي قد تخرج السالك عن سبيله و ما بين المعارج التي قد ترتفع به لتفسح الآفاق تكثر المزالق و المهلكات التي تتعثر إزاءها الخطوات، و عندها تكون المنهجية مصدرا لابتغاء الرشد. وبقدر ما تحيط به من علم الطريق و بيان الوصل و بقدر صحة منطلقاتها و سلامة وجهتها يكون الرشد. و بقدر ما تحيط به من علم الطريق و بيان الوصل و بقدر صحة منطلقاتها و سلامة وجهتها يكون قيامها مقام المرشد الأمين الذي يبين معالم الطريق و الدليل الذي يعرف شيئا عن كيفيات المسار و فن البلوغ من خلال تحديد المراحل و التمييز بين المستويات و التحقق من علامات الاستدلال عند المفارق و إدراك مراجع الإتصال بحيث يمكن السالك من التزام جادة المسار و تعرف مناكب الاستدراك، فالمتابعة و اللحاق.وليست المفاهيم إلا لبنات التي منها تؤسس المنهجية، ومن ثم فما من عمل منهاجي إلا و يكون قوامه عملية التأصيل للمفاهيم، من خلال عمليات بحث و تنقيب فيما هو متاح و متداول. ” محمد أبو القاسم حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية، مراجعة و تحقيق محمد العاني، مؤمنون بلا حدود و دار الساقي، الطبعة الأولى، 2013

1 – محمد عابد الجابري، نحن و التراث، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة السادسة، 1996

2 – محمد الوقيدي، مجلو الوحدة، ندوة العقل العربي في مشروع الجابري، العدد 26 – 27 لسنة 1986

3 – يقول الأستاذ محمد عابد الجابري:” كل ما يمكنني قوله و هذا ماشرحته في مقدمة ” نحن و التراث” هو أنني أزاوج بين ثلاثة أنواع من الطرح: الطرح البنيوي و التحليل التاريخي و الطرح الإيديولوجي، و تبقى مدى نجاح هذه المزاوجة بين ثلاثة أنواع من الطرح تعتبر في العادة متنافرة. إن الحكم للمستقبل، و أنا لم أختر هذا الإختيار بل أجبرت عليه، لقد فرضته علي المادة التي أتعامل معها” من كتاب التراث و الحداثة، لمحمد عابد الجابري صفحة

4 – كمال عبد اللطيف، أشغال ندوة نقد العقل العربي في مشروع الجابري، مجلو الوحدة، المجلس القومي العربي،86

5 – يمكن مراجعة مجموعة من تجارب النهوض العربية الحديثة، من قبيل تجربة محمد علي باشا و غيرها و التي تكاد تكون سمة نمطية بالنسبة الى كثير من التجارب العربية الإسلامية التي تتلتها لا سيما تلك التي وصلت و لا زالت لتكون دولة أو على الأقل تحمل مشروع تغيير أو نهوض من مواقع الدولة، في هذا الشأن يمكن مراجعة كل من كتاب دروس في التغيير و النهوض للمفكر الفلسطيني منير شفيق، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ط الأولى 1988 ، و الدراسة القيمة للدكتور فهمي جدعان تحت عنوان : أسس التقدم عند مفكري الإسلام، المؤسسة العربية للدراسات و النشر،81l

6 – عبد الحميد يويو، الخطاب الفلسفي في الفكر العربي المعاصر، رسالة جامعية، مرقونة بكلية الآداب وجدة سنة 94

7 – محمد عابد الجابري، نحن و التراث، مرجع سابق

** الموضوعية بحسب الجابري هي” جعل التراث معاصرا لنفسه، الشيء الذي يقضي فصله عن الذات الدارسة، في مقابل المعقولية التي يعنى بها جعل التراث معاصرا لنا، أي المادة وصله بنا”.

*** الجينالوجيا: هو المنهج الذي لا يكتفي بالوصف او التحليل، لكن مهمته هي أن يبرز، أن يكشف التمفصلات الخطابية، لا ان يحكم و لا ان يؤول، وهو منهج يرفض العلم أو العلمية، لأنه يترك ذاته حرا لتأتي ممارسته حرة كذلك، فهو يخترق حدود التصنيفات كلها، و يكشف فيها عن كل ما يمكن أن يؤلف وثيقة أو مشروع وثيقة لإستنباط النشاط الخطابي لكل من إرادة المعرفة مضاعفة بإرادة القوة.

8 – أبو يعرب المرزوقي، آفاق النهضة العربية، و مستقبل الإنسان في مهب العولمة، دار الطليعة، بيروت ط1،1999

9 – محمد عابد الجابري، التراث و الحداثة، مرجع سابق، ص 29