مبارك بلقاسم :

مدينة “الجديدة” المغربية تقع على الساحل الأطلسي ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء 2014 حوالي 195.000 نسمة. وتكتب الإدارات المغربية اسم هذه المدينة بالطريقة الفرنسية المشوهة El Jadida. أما سكانها فينطقونهاEjjdida. وهناك بعض المغاربة يسمونها بأسماء أخرى سنتعرف عليها. ولكن غالبية المغاربة وربما غالبية سكان مدينة الجديدة قد لا يعرفون أن اسمها المحلي الأصلي القديم هو Maziɣen مازيغن.
وقد ورد اسم هذه المدينة بصيغة”مازيغن” Maziɣenفي عدة مصادر تاريخية وجغرافيةقديمة منذ القرن 12 الميلاديمثل “كتاب نزهة المشتاق” للرحالة الإدريسي.
والاسم Maziɣenهو تخفيف للاسم Imaziɣen عبر نزع أداة التعريف الأمازيغي (i) وهو شيءشائع في أسماء الأشخاص والمدن.
وتخفيف أسماء المدن والأشخاص عبر نزع أداة التعريف الأمازيغي شيء طبيعي وعادي جدا في اللغة الأمازيغية. فمثلا اسم الولد Maziɣ”مازيغ” هو تخفيف للاسم Amaziɣ عبر نزع أداة التعريف (a). وكذلك اسم مدينة وجدةWejda هو تخفيف للاسم الأمازيغيTiwejda (ومعناه: الأعمدة).
وطريقة التخفيف هذه أنيقة وعملية في حد ذاتها فضلا عن أنها تميز أسماء الأشخاص/المدن عن الاسم النحوي الأمازيغي العادي المستعمل في اللغة اليومية العادية. ولكن التخفيف لا يحدث دائما. فهناك مدن أمازيغية تحتفظ باسمها الأمازيغي كاملا بأداة تعريفه مثل مدينة Azemmur (عكس اسم جهة Zemmur مثلا) أو مدينة Agadir أو مدينة Tarudant أو مدينة Targist. وهناك أسماء للمدن بصيغة الإعراب/الإلحاق (وكأنها في جملة نحوية على لسان المتحدث) مثل قريةTgafaytالواقعة قرب مدينة جرادة أو مدينة Tfersit الواقعة بين الناظور والحسيمة. وفي الجزائر نجد مدينة Tɣerdayt [تغردايت] المعروفة بـ”غرداية”.
لهذا يجب الاحتفاظ باسم المدينة أو القرية كما هو وارد في المصادر التاريخية أو كما هو منطوق من طرف السكان المحليين وتجنب “تصحيح” أسماء المدن الأمازيغية وإضافة الحروف إليها كما يحاول بعض المتحمسين للأمازيغية حماسا خاطئا. وأتذكر هنا أنه شاعت لدى بعض نشطاء الأمازيغية عادة سيئة وهي عادة تغيير اسم مدينة مكناس Meknas إلى “أمكناس” Ameknas ظانين أنهم بذلك “يصححون” الاسم بينما هم يشوهونه. فالاسم العادي الشائع لمدينة Meknas هو Meknas ولا داعي لـ”تصحيحه” (تشويهه). أما الحقيقة فهي أن Meknas هي اختصار وتخفيف تطور لدى الناس لاسم قبيلة Imeknasen “إيمكناسن” الزناتية المشهورة في التاريخ. أما Ameknas “أمكناس” فهو مجرد تخريجة مصطنعة لا داعي لها. إذن يجب الحرص على الاحتفاظ على الأسماء الأمازيغية كما هي بصيغتها الأصلية التاريخية أو الشعبية سواء كانت بأداة تعريف أو بدونها وتجنب التدخل الفج لـ”تصحيح” ما لا داعي لتصحيحه. فمدينة Wejda معروفة هكذا لدى الأمازيغ الآن ولا داعي لإرجاعها إلى Tiwejda.
وزيادة على ذلك كله فنحن نجد أحيانا نفس الكلمة الأمازيغية مستخدمة بصيغ مختلفة حسب المناطق للتعبير عن أسماء مدن أمازيغية مختلفة ومنفصلة، مثل مدينة Gersif “گرسيف” شرق تازة وقريةAgersif الموجودة في إقليم الحسيمة وقرية Agersif الأخرى الموجودة بإقليم تيزنيت.
فإذا قال السكان المحليون Gersif فيجب أن نكتب Gersif. وإذا قالوا Agersif فيجب أن نكتب Agersif. إذن يجب أن نحتفظ على Gersif الشرقية وAgersif الحسيمية وAgersif في إقليم تيزنيت كلها بصيغها الأصلية كما هي بدون “تصحيح” ولا “معيرة” ولا عبث أمازيغوي فولكلوري.
وعودة إلى مدينة “مازيغن” فالمصادر التاريخية الأمازيغية/المغربية التي ذكرت مرسى “مازيغن” كميناء تجاري مهم لتصدير القمح والشعير هي مصادر سابقة زمنيا وتاريخيا بقرون لعهد الاحتلال البرتغالي، وهذا يؤكد أن “مازيغن” Maziɣen كانت مدينة وميناء تجاريا أمازيغيا مزدهرا منذ زمن قديم في عهد حكم الدولة البرغواطية الأمازيغية الذي دام 300 عام أو حتى قبلها.
وبعد قدوم الاحتلال البرتغالي في القرن 16 الميلادي تم تشويه اسم مدينة “مازيغن” Maziɣen من طرف البرتغاليين إلى Mazagao وشوهها الإسبان بدورهم إلىMazagan وأخذ عنهم الفرنسيون هذه الصيغة المشوهة.
ومن الصيغة الإسبانية/الفرنسية المشوهةMazaganظهرت صيغة مشوهة حديثة (منذ سنوات قليلة) بالمغرب بالحرف العربي هي “مازاغان” لأن المغاربة الحاليين ظنوا على ما يبدو أن الصيغة الفرنسية (المشوهة) Mazagan تريد أن تقول “مازاغان” وهذا غلط. الاسم الأصلي الحقيقي لمدينة الجديدة كما كتبه المؤرخون القدامى قبل الاحتلال البرتغالي بقرون هو “مازيغن” Maziɣen.
وقد ورد ذكر مدينة ومرسى “مازيغن” في عدة مصادر تاريخية وجغرافية قديمة مثل “كتاب نزهة المشتاق” للجغرافي والرحالة الإدريسي (ولد: 1100م. توفي: 1165م). وقال حولها ما يلي:
“… ومن فضالة [يقصد: المحمدية] إلى مرسى أنفا [يقصد: الدار البيضاء] أربعون ميلا وهو مرسى مقصود تأتي إليه المراكب وتحمل منه الحنطة والشعير وتتصل به في ناحية البر عمارات من البربر من بني يدفر ودكالة وغيرهما. ومن أنفا إلى مرسى مازيغن خمسة وستون ميلا روسيةً [يقصد: مباشرةً]. ومن مازيغن إلى البيضا جُونٌ [يقصد: خليج] ثلاثون ميلا. ومن البيضا إلى مرسى الغيط خمسون ميلا وهو جون [خليج] ثاني. ومن الغيط إلى أسفي خمسون ميلا. ومن أنفى إلى طرف جبل الحديد ستون ميلا. ومن طرف جبل الحديد إلى الغيط الذي في الجون خمسون ميلا. وكذلك من طرف مازيغن إلى أسفي روسيةً [مباشرةً] خمسة وثمانون ميلا وتقويراً [بمسار مقوس] ماية وثلاثون ميلا.”
وقد تمت ترجمة كتاب الإدريسي “كتاب نزهة المشتاق” إلى اللغة اللاتينية عام 1619 تحت عنوان Geographia Nubiensis من طرف Gabriele Sionita. وفي تلك الترجمة اللاتينية تمت كتابة اسم مدينة “مازيغن” بالحروف اللاتينية هكذا: Mazighen. وكذلك تمت كتابة اسم مدينة أنفا (الدار البيضاء) بالحروف اللاتينية هكذا: Anfa.
وذكر القاضي عياض (ولد: 1083م. توفي: 1149م) “مرسى مازيغن” في كتابه “مذاهب الحكام في نوازل الأحكام” وقال ما يلي:
“… كان سفيان بن يعقوب بن حدو المصمودي القصري قد أوسق [حَمَّلَ] عنده سليمان الصنهاجي بمرسى مازيغن قمحا وشعيرا على أن يوصله إلى مدينة سبتة…”.
tussna@gmail.com