ترجمة: عبد الحفيظ الشريف
أجرت إحدى المؤسسات الإعلامية الهولندية* حديثا موسعا مع عالمة الديانات البريطانية ” كارن أرمسترونغ”. تزامن هذا الحوار مع أحداث العملية الإرهابية الأخيرة بمدينة برشلونة الإسبانية التي راح ضحيتها أكثر من 13 شخصا و خلفت جرحى بالعشرات. الحوار جاء تزامنا مع تواجد ” كارن أرمسترونغ” بهولندا، مقتبل شهر سبتمبر المقبل، لتسلم الدكتوراه الفخرية من طرف الجامعة الحرة بأمستردام، و اعترافا من هذه الأخيرة، بما قدمته هذه الباحثة و المفكرة من دراسات و بحوث كثيرة في علم الأديان المقارن أو في علم اللاهوت بشكل عام. سأعمد الى نقل بعض فقرات هذا الحوارالى العربية، بهدف التعريف وتنوير القارىء العربي بأهم المستجدات و التطورات التي يعرفها العالم وو جهة نظر هذه المفكرة، عنيت” كارن أرمسترونغ” تجاه هذه القضايا.

33

تعد “كارن أرمسترونغ” 1944 من أهم المختصين بعلوم الأديان في الآونة الأخيرة، حيث إختارت لنفسها أن تشق طريقها في تخصص الديانات الإبراهيمية الثلاث، على الرغم من أن دراساتها الجامعية تمحورت في النقد الأدبي الإنجيزي، وهي من أكثر المحاضرين شعبية، إذ تعج قاعات محاضراتها في العالم كله بجمهور واسع من مختلف الأعمار و الأجناس و الفئات الإجتماعية، كما انها تستقطب جمهورا متعددا من مختلف الديانات و المذاهب و الطوائف، أما وجهات نظرها فتتسم بالحدة و العمق تارة و بالإستفزاز و السخرية تارة أخرى، اما عن الناظم الذي يجمع شتات تلكم الأفكار فهي دعوتها المستمرة الى ترسيخ قيمة النقد و النقد الذاتي، و ذلك بغرض تفكيك جنيالوجيات التمثلات و الصور النمطية المترسخة في العقل الاوربي تجاه الآخر الديني و الثقافي. هذا فضلا على أن كتبها تعرف إقبالا واسعا و تسجل مبيعات كتبها نسبا عالية في كل من الولايات المتحدة الأمريكية و هولندا.
سؤال: ماذا يعني لك شخصيا تسلم الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحرة بأمستردام؟
جواب: حقيقة إنه لشرف عظيم لي أن تلقى جهودي العلمية و أن تجد أعمالي إهتماما بالغا من طرف القراء و الباحثين في مختلف الجامعات الأوربية، و هذا ما ينشده و يرنو الى تحقيقه كل كاتب أو أكاديمي، إنها لحظة إعتراف بما بذلته من جهود في تقريب القارىء بموضوع يعتبر من أعقد الموضوعات، خاصة و أنني لم تتح لي الفرصة قط، فرصة الحصول أو إنجاز أطروحة الدكتوراه، و ذلك لعدة إعتبارات، تتعلق بنظام التعليم بجامعة “أكسفورد”، فعلى الرغم من أن هذه الأحداث ترجع الى سنوات السبعينات من القرن الماضي، لكنها تركت أثرا بالغا و كانت لها الوقع الدائم على نفسيتي، فليس من الهين أن تحرم من حق التقدم لنيل شهادة ما، لكن بالمقابل فالمستقبل كان يخفي لي ما هو أهم و أفضل من كل هذا، ما هو أفضل من الإنزواء في إحدى الغرف الجامعية في قلب إحدى العواصم الأوربية، و النظر من برج عاج الى الناس و القضايا التي تشغلهم في حياتهم اليومية.
و عن سؤال وجه لها، يتعلق بمدى حرصها و اهتمامها بالقضايا المثارة اليوم عالميا، قضايا الإرهاب الديني و عن أصولها و مرجعياتها المعرفية و اللاهوتية، أجابت قائلة: أن النخب الأوربية من مفكرين و علماء و إعلاميين و أصحاب القرار السياسي، تستبد بهم نزعة تقليدانية و كلاسيكية متقادمة، في عملية النظر و في طرح قضايا العلمانية من داخل النسق الاوربي الحديث، يحدث هذا بينما يشهد العالم كله عودة غير مسبوقة النظير الى الدين، و خاصة في دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكثر الدول تدينا بعد الهند، نقرأ و نشاهد برامج و نستمع أكثر من أي وقت مضى عن الدين، طبعا هذا يتفاوت من دولة الى أخرى، فالمملكة المتحدة مثلا، اكثر لائيكية من هولندا، لكنكم أنتم لازلتم الى حد ما متشبثين بالدين، لا أخفيك، أن بلدي بريطانيا من أكثر الدول مقاومة لأفكاري و نفورا منها، أجد ضالتي عندكم في هولندا، فتعرف أفكاري إنتشارا واسعا بين فئات الشباب، و كتبي من أكثر الكتب مبيعا عندكم، بعد ما حققته في الولايات المتحدة الأمريكية.
سؤال: إذا سألتك عن الأسباب الكامنة وراء هذا الإهتمام المتزايد بك و بكتاباتك المختلفة في هولندا، فماذا يكون جوابك؟
جواب: لاأدري بالضبط، لكن هولندا على العموم، كانت ولا زالت من أحسن البيئات الإجتماعية و الثقافية إهتماما بأفكاري، و تعاملا مع كتاباتي، ربما لسبب بسيط، ألا وهو أنه على الرغم من أن كثيرا من الهولنديين لا يمتلكون رغبة الإهتمام بالدين و بمزاولة الشعائر و الطقوس، لكنهم مع ذلك يسعون في بذل الجهد، لمحاولة فهم و إستيعاب قضايا الديانات و ما يتصل بها من إشكالات و ما تطرحها من تحديات و أسئلة ميتاوجودية عميقة، و في هذا يتوفقون و لاشك على البريطانيين، أود أن أفتح قوسا صغيرا، لأقول لك، أن عائلتي تنحدر من أصول إرلندية، و تحمل بين ثنايا شعورها ولا شعورها أنماطا و أشكالا ثقافية و نفسية مختلفة عما هوسائد في المملكة المتحدة، و هذا يخلق لي بعض الحساسية أحيانا.
لكن على أية حال، يظل الدين قوة و عنصرا أساسيا في العالم الحديث، و كلما أوغلت من الإقتراب جهة الجنوب، أدركت عمق هذا الدور وهذه الوظيفة، بيدأن القول أن الدين و المقدس بشكل عام، لم يعد يلعب دورا ما، و لم تعد له وظيفة في العالم الحديث، الذي عرف ثورات تكنولوجية و إعلامية صاخبة، و قطع بذلك مع القديم، فإنه من باب ذر الرماد في العيون. الدين كما أقول دائما ليس كله نعيم، فهو يحمل في طياته تشوهات و آلاما و أوجاعا ومآسي، فهو أشبه ما يكون بالفن، فليس كل الفنانين عباقرة و متميزين، فمنهم من ينجز أعمالا باهرة، تظل خالدة في تاريخ الإنسانية و منهم من يفشل في تحقيق ذلك، و تموت أعماله بمجرد الإنتهاء من العمل نفسه، و تظل محط النسيان.
سؤال : ما تعنين بالهراء عند الحديث عن الدين؟
جواب: الهراء هو القول أن الدين، عدواني و متطرف، و الحقيقة عكس ذلك تماما. إن الإسلام مثلا يمتلك إستعدادا و إنفتاحا كبيرين لتقبل الآخر و الإعتراف به و التسامح معه،من المسيحية الغربية. القرآن الكريم كتاب تعددية بإمتياز، يعترف بالأصول و المرجعيات الإلهية لكل الديانات التوحيدية السابقة له، وهذا مالا نجده في الإنجيل.
ما يقع اليوم للأسف الشديد، أنك تجد دولة كالمملكة العربية السعودية، التي و ظفت طيلة السنوات التي مضت، غناها الفاحش و امبراطورية أموالها و ثرواتها، في تصدير نموذج و نمط مشوه و رديء من الدين، على أنه هو الدين الحق، و هذا تم أيضا، بإيعاز و دعم من الدول الغربية و المجتع الدولي. هذا مايعكس بجلاء غباءهذه الدولة، لأنها في آخر المطاف ستكتوي بالنار التي أوقدتها، و هذا ما حدث و يحدث في المملكة العربية السعودية، فلم تسلم هي أيضا من ويلات العمليات الإرهابية في عقر دارها، و بذلك يكون قد إنقلب السحر على الساحر.
سؤال: تحاربين هذا الغباء، بكتابة الكتب و نشرها، و بإلقاء المحاضرات، أليست ميزتي التركيب و التركيز التي تتسم بها الدراسات و البحوث العلمية و الأكاديمية، تحولا دون الوصول الى جمهورك الواسع الذي يخوض حوارات و مناظرات واسعة في الحياة العامة، من داخل المجتمعات الأوربية؟
جواب: أحاول دائما قدر الإمكان تبسيط أفكاري،و جعلها في متناول الجمهور الواسع و الذي معظمه غير المتخصص، ومحاضراتي أقل تركيبا و تعقيدا من كتبي، لكنني لا أكتمك سرا، أنا معجبة جدا بالكتب العلمية الرصينة، إذ أني أقضي جل أوقاتي في المطالعة و القراءة، لكن هذه المصنفات ليست في متناول الجميع، فمن طبيعة الكتب المؤسسة أنها كتب معقدة، تستعصي أفكارها على الفهم، و تتميز بمنهجية علمية و معرفية صارمة، تحتاج الى عدة معرفية معينة، لإدراك معانيها، و الوصول الى مراميها، و مع ذلك، أظل أقول، أن من وظيفة المثقف، أن يوصل المعلومة الى العامة، و ينور بها الأفئدة و العقول، بهدف صياغة الوعي.
بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تحدثت الى كثيرين في مختلف أرجاء العالم،معظمهم كانوا من نخب وأكاديمي الجامعات، و من هؤلاء من على معرفة و إ طلاع واسعين بقضايا الأسلمة، أسلمة الغرب، ومن هؤلاء الأكاديميين من يحاول الإنفتاح على المناظرات التي تنظم من طرف جمعيات و مؤسسات المجتع المدني،لكنهم في معظم الأحيان يفشلون في هذه المهمة المعقدة، لسبب بسيط، كونهم أسيري نمط من التفكير الأكاديمي المنغلق و المشمع.
سؤال: تتحدثين عن المملكة العربية السعودية، بهذا الشكل، ألا تخافين على نفسك، جراء هذه التصريحات، خاصة و اننا نعيش في عالم مفتوح، و تكاد تكون العمليات الإرهابية مسرح كل مدينة أوربية في الأيام الأخيرة؟
هذا صحيح، لا أكذبك القول إن إدعيت عدم الخوف، فالخوف أضحى هاجسا يؤرقنا جميعا، لكن الأهم من الخوف أن هذه الأطروحة، مؤكدة و مؤسسة على أسس علمية و معرفية، و لم تأتي من فراغ، فالسعوديون لا يقبلون تواجدي بينهم، كما أنني لست معنية بالذهاب الى المملكة العربية السعودية، بعد هذه التصريحات، لكن ثمة من المسلمين، من حدثني بصدق، أنني كنت السبب في عودته الى الإسلام بعد أن كان قد أدار ظهره له، و لم يعد الإسلام محط إهتمام أو عناية له، فكان إطلاعهم على كتبي، مصدر هذه الثقة، فأنا أتحدث في الغالب عن واقعية الإسلام، ولم نشرع بعد في الحديث عن ظلم و حيف الدول العربية.
في معظم الأحيان، الإرهابيون من جنسيات غير سعودية، لكن السعودية تدعم هذه الجماعات، و هي في الآن ذاته محط تهديد من الجماعات ذاتها، كثيرون ممن يفجرون أنفسهم بإسم هذا الدين، لا يعرفون شيئا عنه، لا شك أنك، على سبق معرفة و إطلاع على قصة الشابين البريطانيين اللذين غادرا انجلترا نحو سوريا للإلتحاق بالجهاد، اياما قليلة قبل المغادرة طلبا من شركة أمزون للكتب، إمدادهم بكتاب Islam voor dummies
سبق وأن أشرت الى بحث ميداني، أجراه أحد الموظفين السابقين لجهاز الأستخبارات الأمريكية، حيث إستجوب معظم نازلي سجن غواتانامو من ذوي السوابق، وممن كانت لهم صلة مباشرة بتفجيرات الحادي عشر من سبتمير، فخلص الى نتيجة مفادها، أنه مجرد 20 في المائة من السجناء تلقوا تربية إسلامية عادية، أما 80 في المائة فمعظمهم من المسلمين الجدد، الذين لا يعرفون عن الإسلام الا الشيء القليل و يعانون من أمراض نفسية بالغة، و لم يمارسوا الإسلام الإ أياما معدودات قبل التحاقهم بالقتال.
سؤال: إذن الحل يمكن بحسب وجهة نظرك في التضامن و الشعور بالآخرين، لذلك عزمت العزم منذ سنوات، على كتابة كتابك المعروف، “نداء الى التضامن”، كيف استشعرت بهذه المسؤولية و ماهي دواعيها و ماذا حققت من خلال هذه الدعوة؟
جواب: لقد مرضت من جراء، نداءات القيادات الدينية في العالم، و دعواتهم الى محاربة الإستغلال الجنسي، أو زواج المثليين، و التركيز على ماهو سلبي، كلها قضايا غير ذات محورية،و بالمقابل فإنه ثمة إجماع من طرف كل الديانات على قاعدة ذهبية، تكمن في ضرورة التعامل مع الآخرين بنفس الطريقة التي تحب أن يتعامل بها هؤلاء معك، أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك. إذا لم نحرص على التعامل مع الشعوب والمجتمعات الأخرى، سواء رضينا بهم أم لا، بنفس الطريقة التي نحب أن نعامل بها، فلا شك أن الإجتماع الإنساني في مقبلات الأيام سيغدوا مستحيلا و أن الحياة ستأخذ ولا شك منحا خطيرا.
Nieuwwij.nl
هي المؤسسة الإعلامية التي إستجوبت ” كارن أرمسترونغ” بمناسبة حصولها على الدكتوراه الفخرية من طرف الجامعة الحرة بأمستردام، و قد تمت ترجمة هذه الفقرات بإذن من المؤسسة نفسها، فللراغبين في قراءة الحوار كاملا، أن يراجعوا الترجمة الإنجليزية على الشبكة العنكبوتية.