بقلم: عبد الحفيظ الشريف*
تعيش الثقافة العربية والاسلامية، التي تعرضت لضغوط عنيفة خارجية وداخلية، حالة من الصراع السرمدي، الأزلي و الدائم، الذي لم يحسم منذ أكثر من قرن، فهي لم تحسم بعد في إعادة تجديد أسسها، وتوحيد عناصرها، وإخصاب بنياتها، و استئناف مسارها الحضاري الشهودي، الذي يشهد القرآن به، “و كذلك جعلناكم امة و سطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا”،”كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون” كما أنها لم تنهار بعد نظرا لقوة تراثها الروحي وميراثها المادي، ولم تسقط في دائرة الانحلال والتبعية النهائية للمدنية الغربية، وما زال الصراع من أجل إثبات الذات وتأكيدها في وجه المدنية السائدة يتداخل و الصراع الاجتماعي والامتثال الأهلي لإعادة هيكلة نظمها وتثبيت كيانها٠

جراء هذه الوضعية المأزومة، و المفعمة بالعلل والأمراض المزمنة ، قبل الفكر العربي والاسلامي عامة و الإصلاحي منه خاصة، أن يعيش في ثنائية دائمة ،وأن لايرى نفسه ولايعيها إلا من خلال مرآة هذه الثنائية المعممة في الوعي، والفكر، والممارسة: ثنائية الحديث و القديم، الأنا والآخر، السلفي والمتجدد، الأصالي والمعاصر، الدياني والعلماني…

يبدو لنا، أنه في جل المحاولات النظرية التي تعرضت لهذه الأزمة التأكيد على هذا الجانب، أوذاك، أو الدفاع عن ضرورة التوفيق بينهما، التزاما أساسيا لدى مختلف الأطراف، ولكن نادرة هي الدراسات التي سعت إلى الذهاب أعمق من ذلك، لتحليل وتفسير الظواهر الكامنة وراء هذه الثنائية، والنظر في جينيالوجيات وجودها واستمراريتها.

تبدو لنا الإنقسامات الراهنة والسجالات الحادة التي تصل بالمرء أحيانا مرتبة التقاتل، تعبيرات سطحية، أي طافية على السطح لتمزقات أعمق و أشد قائمة في صميم الوعي العربي كوعي فردي وجمعي،وعي لايزال يحيا ظروف الحرب الأهلية الدائمة٠

يبدو منذ الوهلة الأولى أن البحث في هذا الموضوع، بحث في الإشكال المحدد و الرئيس، بحسب تعبير المرحوم محمد عابد الجابري، ويكتسي من الإشكال أهميته لكونه طرح من طرف الإصطلاحية العربية طيلة القرون الماضية في إطار السؤال النهضوي العام الذي حكم الفكر العربي، السؤال الذي انتشر وذاع بالصيغة التالية: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وبالتالي كيف ننهض؟ وكيف اللحاق بالركب ،ركب الحضارة والمدنيةالحديثة.

يعرف برهان غليون النهضة بقوله:”إن النهضة هي مجرد وصف لحالة أو لإشكالية هي إشكالية مبنية على طرح مثيل المفاهيم والأزواج المفهومية (التقدم والتأخر، الأصالة والمعاصرة، العرب والغرب،العلم والدين،العقل والدين`.إن فكر النهضة ليس فكرا متجانسا لكنه ظل يعالج الإشكالات التي ذكرناها، أي اشكالية كيف يستطيع العالم العربي أن يحدد نفسه، ومكانته في هذه الفترة من الزمان بالمقارنة مع ما حصل في الغرب، و بالتالي فالعالم أصبح الى حد كبير محكوما بتاريخ الغرب وهيمنته و ما برحت الشعوب العربية تنظر الى ماضيها وحاضرها من خلال منظار تاريخ الغرب الحديث، بيدانه في المقابل يرى تاريخ غيره من الحضارات و الشعوب تاريخا محليا، ينبغي أن يوضع تحت مقصلة الدراسات و الأبحاث الاناسية والاثنوغرافية.

و قد جرى الاصطلاح منذ ظهور كتاب ً آلبرت حورانيً “الفكر العربي في عصر النهضة” مطلع الستينات على اعتبار غزوة نابليون لمصر 1798ـ 1799 بداية لدخول المشرق الاسلامي في الحداثة، ومن ثم بداية نهضته وتقدمه. وما تلا ذلك كله من أحداث ووقائع وتغيرات بعد الجلاء، وتولي محمد علي باشا الحكم في أرض الكنانة، ومانتج عن ذلك من تطورات سياسية، وبعثات طلابية،وتحديث للجيش والمؤسسات الأهلية والعسكرية، ومن ربط للعلاقات الدبلوماسية وغير ذلك، ومن ثم كانت الصدمة إيذانا بميلاد جملة من التساؤلات تتعلق بالٱسباب التي دفعت الى الهزيمة حيال الآخر المستعمر، وما حقيقة هذا الآخر وما مكامن القوة والضعف عنده، وأخيرا ما أسباب التأخر التاريخي عندنا.

حملت الفترة الأخيرة من انصرام القرن الثامن عشر آفاقا جديـــــــدة، لم يعهد الوطن العربي الاسلامي مثيلا لها من قبل، كان ذلك تمثل في حملة نابليون على مصر السالفة الذكر. إن تلك الآفاق كانت تنذر بنشوء إمكانات واحتمالات جديدة للنظر الى قضايا التحديث والتمدن، فلقد أحدثت هذه الحملة منعطفا جديدا في تاريخ العلاقة بين الشرق و الغرب ومن ثم بين العرب و هذا الأخير،و السؤال المطروح هو؛ ماهي تجليات هذه الانعطافة التي أحدثتها حملة نابليون في الوعي العربي؟

يرى أحد الباحثين أن نقطة الجذب في الموقف تنتظم في ذلك النحو الهائل الذي طرأ في الوعي العربي، فالغرب لم يعد في ذهن الانسان العربي عموما، و في ذهن النخب السياسية والفكرية بصورة مخصوصة، ذلك الآخر البعيد الذي يقبع وراء البحار والذي يظهر بين الحين والآخر ســــالكا مستهجنا، أو متدخلا همجيا و إقطاعيا يخرج بعد أن يكون قد حصد الزرع والنسل أو حاول أن يفعل ذلك دون أن يترك حقل تماس انبهار حضاري، فالغرب لم يعد ذلك البعيد.
تجدر الإشارة أنه قد عرف تاريخ الاسلام قبل انهزام البلاد الاسلامية أمام أوربا الحديثة مواقف من هذا القبيل، ففي العصر الوسيط،ثم في مستهل العصور الحديثة ألحقت ببلاد الاسلام هزيمتان كبريان أمام قوى أوروبية انتهت باحتلال مناطق من العالم الاسلامي، الأولى في مواجهة الحملات الصليبية والثانية أمام القوى الايبرية، وفي كلتا الحالتين وقعت ردود فعل إصلاحية، ولكننا إذا تصفحنا الكتابات التي نتجت عن تينك الهزيمتين، لن نجد عند أصحابها لاوعيا بالتأخر تجاه الأجنبي الغالب، ولاتساؤلا عما عسى أن يكون وراء تغلبه من أسباب يتحتم الأخذ بها في الاصلاح،وفي هذا بالذات سيختلف الاصلاح الاسلامي الحديث عن القديم، إذ أن الاصلاح الاسلامي الحديث ينطلق من هذه المسألة الأساسية؛ التسليم بالتأخر تجاه أوربا.
وفي ظل هذه الوضعية، شرع الفكر الاصلاحي الاسلامي ـ وهو يجيب على أسئلة الفكر الغربي و يعتبر منه ـ إنما يتوجه أساسا الى الأفكار الليبرالية، فانه سعى إلى إيراد المرادف الإسلامي لها، كالموقف من أسلوب الحكم مثلا ( خلافي، جمهوري، ملكي، ديمقراطي، استبدادي…) و مشكلة المرأة ( تحريرها بأي معنى، بالمعنى الاسلامي أو الغربي) والتحالف مع الأجنبي، والموقف من التقدم التكنلوجي و العلمي والثورة المعلوماتية، وكيف الحسم في تداخل السلطة الدهرانية الزمنية بالسلط الدينية. كانت هذه كلها أسئلة فرضها الواقع الجديد الذي استبد بالوعي العربي، فحرك بذلك العقل الفقهي الخامل الذي ركن الى التقليد و الاعتكاف على شرح و تلخيص المتون و الحواشي، فتصدر فقهاء كثر للافتاء في مثل هذه القضايا المستجدة.
و تكاد تجمع الأبحاث و الدراسات أن التيارات المكونة للوحة الاشكالية، عنيت إشكالية الاصلاح و التحديث في الفكر العربي الحديث متعددة المشارب و الأنساق، يمكن حصرها في ثلاثة تيارات أساسية وهي ؛النزعة السلفية والتي تعتبر حركات الاسلام السياسي المعاصر امتدادا طبيعيا لها، والنزعة العصرية التي أفرزت نخبا ليبرالية معلمنة و أخيرا و ليس آخرا النزعة التلفيقية التي حاولت أن تجمع بين المرجعيتين، و قد وضعت هذه المدرسة نصب عينيها هدفا مركبا يقوم النقد و النقض أولا، و على البناء ثانيا..
الملاحظ أن كل من المدارس السالفة الذكر تقع في نمطية من التهييج السخيف و الأدلجة الزائفة و تعتقد أن امتثال الوجود يتجسد في أحد أبعاده الكبرى، هو الماضي الأهلي أو الحاضر الأجنبي. هذه النظرة الضيقة الأحادية الأفق تؤدي بنا الى ضرورة التفكير الجدي في استنباط طريق ثالث بديل..
بكلمة، أن كل هذه المعطيات قد جعلت من إشكالية تقدم الدولة العربية الحديثة، قضية معقدة و مركبة، بحيث لايمكن ربطها ربطا سببيا، بجملة من المحددات المظبوطة، وبالتالي لا يمكن ولا يجوز تفسير الاتجاهات و الصراعات الفكرية وآلمعارك الدامية التي تنتج عنها، -اخرها قبل ايام قليلة، آراء عبرت عنها إحدى المثقفات المصريات ذات نزعة نسوية متطرفة، تفسر قوة الانشطار و التشظي التي تعيشه الثقافة العربية و الاسلامية- او توافقها تفسيرا أحادي الأساس و الإتجاه، لذا فان تباين الاتجاهات هذه واختلافها و تعقدها و تشابكها، قد عملت على تحويل الساحات الفكرية و الفكرانية في الوطن العربي الى خرم من الاتجاهات و الأطياف تتقاتل فيما بينها، فيما يجعل الاشكالية تظل من أعقد الاشكالات في الفكر و العمل العربيين الحديثين.
* باحث مغربي مقيم بمدينة أمستردام الهولندية