عبدالسلام بوطيب*
للإجابة عن السؤال أعلاه،وجب أولاًطرح الأسئلةالضروريةالتي من شأنها أن تساعدنا على معرفة و فهم طبيعة الأزمة التي تهدد وجود هذا الكائن السياسي الذي لا يشبه باقي الكائنات الحزبية بالنظر الى طبيعة ميلاده التي تتحكم في صيرورته و و ستتحكم حتى في مصيره، و لعل أهم هذه الاسئلة هي:
-هل يعيش حزب الاصالة و المعاصرة أزمة ؟
– ما طبيعة هذه الأزمة؟؛
– متى بدأت هذه الأزمة ؟.
|- “الأصالة والمعاصرة” وتغييب سؤال الهوية:
و من الضروري القول قبل الإجابة عن هذه الاسئلة ، إن هذا المقال يندرج ضمن الفعل النضالي على درب المساهمة في إنجاح تجربة الانصاف و المصالحة في هذا البلد، بالرغم من أن قولنا هذا سيبدو غريبا لبعض من لا يفقهون في آليات العدالة الانتقالية، خاصة اولئك الذين يقولون اننا لم نعد امام سياق الانصاف والمصالحة ، و اننا نحن في سياق اخر مرتبط بمستجدات كثيرة لدستور 2011ـ ووصول الاسلاميين الى السلطة، و بروز حراكات اجتماعية أهمها حراك الريف، و انخراط مؤسسات سياسية كثيرة في اعادة النظر ف مفهوم الوساطة الاجتماعية و في بلورة نموذج تنموي جديد ، و سأشرح فيما سيأتي من الكلام صحو قولنا و علاقة هذا بذاك.
و كإجابة عن الأسئلة المطروحة أعلاه نقول:
نعم،إن الحزب يعيش أزمة حقيقية، و هي أزمة ناتجة عن تغييب سؤال الهوية و المسار؛ وهي أزمة ليست بالجديدة؛ بلبدأت عندما تم تغييبطبيعة الحزب، و القفز على شروط وجوده الطبيعي و محاولة الزج به في تضاريس سياسية لا تلائمه،
و لفهم عميق لطبيعة هذه الازمة ، قبل تحليلها و البحث عن إمكانيات تجاوزها ، و حتى عن امكانيات تحويل الأصالة و المعاصرة الى حزب ” طبيعي” من الضروري الانتباه إلى:
أولا، طبيعة الانتقادات الموجهة الى الأمين العام الجديد للحزب و التي تمركزت كلها حول الذوات ” المحررة للحزب”( أي أولئك الذين يزعمون أنهم عملوا من أجل وصول الأمين العام الجديد إلى الأمانة العامة )، و هي ذوات تشتكي من إبعادها عن مركز القرار الحزبي الحالي، مغلفة ” غُبنها “هذا باستحضار الأزمة التنظيمية – التواصلية التي وصل إليها التنظيم في ظل القائد الجديد، و تقوقع هذا الأخير على نفسه.و الحال أن أزمة الاصالة و المعاصرة هي أزمة الميلاد، ووجب البحث عن جذورها في نقطة الانتقال من ” حركة لكل الديمقراطيين” إلى ” حزب “الأصالة و المعاصرة”. وهذا الانتقال ينم عن فهم عميق للداعيين اليه لمخرجات مسلسل الانصاف و المصالحة. وقد كان انتقالاً لازماً وضرورياً، إلاّ أنه كان متسرعا يسابق الزمن؛ لأن الداعيين إليه لم يسمحوا لأنفسهم بتقييم دقيق للمشهد الحزبي آنذاك، و لا لتوضيح طبيعة المولود الجديد و هويته و مساره الطبيعي. و لعل مرد ذلك راجع الى طبيعة تكوين كثيرا ممن حضروا الى لقاء تطوان في شهر حر كبير ، أي شهر غشت . وتعمقت الأزمة عندما تم الزج بالحزب في مواجهة التيارات السياسية الدينة، التي كانت تحتاج الى مواجهة فكرية – ثقافية- فنية و ليس الى مواجهة سياسية انتخابية، بالنظر الى المستوي الثقافي/السياسي العام في البلد، و العودة القوية للظاهرة الدينية-السياسية ب “لبوساتها الاخوانية ” مع تعميم وسائط التواصل الاجتماعي. و تعمقت كذلك مع اعلان الامين العام السابق عن استقالته و محاولته التراجع عنها بعد أن خرجت للعلن مما عكس طبيعة التهلهل التنظيمي و مستوي الممارسة الديمقراطية داخل هذا الكيان. و استفحلت مع القيادة الراهنة التي لها كل الامكانيات الفكرية و السياسية لابراز طبيعة الازمة، و لم تفعل الى الان، حتى يقتنع منتقدوا القيادة الراهنة أن أزمة الحزب تتجاوز أوهامهم المتمحورة حول ذواتهم.
– ثانيا: لا أحد من هؤلاء المنتقدين استحضر الأبعاد السياسية للأزمة، و انعكاس غياب الجواب عن السؤال المغيب لدى قواعد الحزب و كثير من قياداتها، و هو: من نحن و ماذا نريد؟.
من هنا نتساءل هنا والآن: هل وصلت أزمة الحزب إلى أبعد مداها ؟ وهل زوال الأصالة و المعاصرة هي مسألة وقت فقط ؟
نجيب بنعم و لا في نفس الوقت :
نعم، اذا بقيت “دار لقمان على حالها”، و استمرت القيادة الحالية السير نحو المجهول و البحث عن الحلول في تشكيل لجان كيفما كان نوعها ، او الدخول في الترضيات أو التطبيق الزجري لقوانين الحزب،
لا ، و هذا هو الاغلب ، بالنظر الى أن للحزب مهام من الضروري انجازها ، و لكن هذا يتطلب ضرورة الاجابة/التوضيح في أقرب وقت عن سؤال الهوية : من نحن و ماذا نريد؟
– في البحث عن الحلول ورسم الآفاق:II.
مساهمة منا في البحث عن سبل الخروج من الأزمة الحزبية الراهنة ،من الضروري الاشارة الى أن هذا الكائن السياسي، الذي ولد من رحم حقوقي، هو ثمرة سياسية طبيعية لمسلسل الانصاف و المصالحة ؛ و أنه وجد ليساهم في اعادة تأهيل المشهد الحزبي و ” يتحلل” من تلقاء ذاته عند انتهاء مهمته ، و ان هذه المهمة مرتبطة بمخرجات توصيات هيئة الانصاف و المصالحة، و زمنها عادة ما يطول حتى بعدما تظهر التباشير الأولى لتنفيذ توصيات الهيئة. و الاستمرار، نظرياً،يظل قائماً الى أن يعود المشهد الحزبي الى طبيعته التنافسية، و ما تزال تجربة حزب اتحاد الوسط الديمقراطي الاسباني دليلعلى ما أقول؛ إذ بالرغم من أن اسبانيا اختارت “المصالحة” الوطنية دون اللجوء الى آليات العدالة الانتقالية، ذلك أن كل تجارب المصالحات، مهما كانت المنهجية المستعملة في ذلك – تتطلب وجود حزب يلعب دور “المؤهل” لباقي الاحزاب حتى تعود الى المنافسة السياسية “الطبيعية”.
و للاسف فهذا ما لم يفهمه لا غالبية المتلهفين للانتماء الى الحزب، في أولي خطوات وجوده، و لا أولئك الذين كانوا ينعتونه بحزب الادارة ، أو بحزب القصر و ما الى ذلك من الكلام الذي ينم عن فقر عظيم في التكوين المعرفي في آليات العدالة الانتقالية و مخرجاتها ، بالرغم من أن كل هؤلاء صفقوا لتجربةالانصاف و المصالحة. كما لم يفهمه كذلك جل أو كل المنتقدين للأمين العام الحالي، و منهم كثير من القياديين، و الا ما معني تأكيد القول بأن هذا الحزب أسسه فلان و فلان – بانتقاء شديد- دون الحديث و لو بالإشارة الى طبيعة هذا الحزب و هويته و مهمته التاريخية.
لذا فالكلمات التي استعملتها في عنوان المقال أي الانتهاء و الزمن و السياسية هي كلمات مرتبطة بطبيعة ميلاد هذا الكائن السياسي و مساره ، لان ميلاده و مساره يختلفان كلية عن الاحزاب “الطبيعية”.
من هنا فالزمن السياسي لحزب الاصالة و المعاصرة، موضوع هذا المقال، مرتبط أشد الارتباط بمسار مسلسل الانصاف و المصالحة، و بأزماته و اخفاقاته، و في لحظات كثيرة تكون أزمات هذا الحزب عنوانالأزمة مسلسل الانصاف و المصالحة، كما هو الأمر راهناً.
إن عدم الوعي بما أريد الذهاب إليه، أو بدافع غرور سياسي زائد،حاولت بعض قيادات هذا الحزب ، ابداع شعارات رنانة و جذابة مثل “ممارسة السياسة بشكل مغاير” و هي شعارات ظلت بدون روح سياسية ، مما أدى إلى الزج بالتجربة في تضاريس لا تلائمها سياسيا ، محاولين تحويل الحزب الى حزب منافس سياسي “طبيعي”، مثله مثل باقي الاحزاب المغربية . و هذا ما أثار حفيظة باقي المكونات السياسية و كال البعض منها للتجربة و لقياداتها التهم، و السب الساقط الذي عكس، على كل حال، طبيعة بعض النخب السياسية التي تسير البلد .
بناءا على كل هذا أمام الحزب اليوم خيارا واحد للخروج من أزمته الراهنة و التي – كما قلت سابقا – لا علاقة لها بشخص الامين العام الجديد و لا بممارساته التنظيمية، بل هي أزمة تم جرها منذ محاولة القفز على حقيقتنا. و الخيار الوحيد– و الاوحد في نظري- هو الاعلان من الان عن تاريخ المؤتمر العادي المقبل، و بداية عقد ندوات جهوية ووطنية و لقاءات تناظرية و ذلك قصد الاجابة عن السؤال التقليدي الذي أجابت عنه بوضوح كل الاحزاب الناجحة في العالم ، و هو: من نحن و ماذا نريد ؟، ذلك ان الاجابة الصحيحة و العميقة عن هذا السؤال ستفرز لنا الخطة التنظيمية التي عليها سنسير في مستقل السنون .
و من الممكن ان يفرز النقاش اجتهادا يرسم لنا الطريق للتحول الى “حزب طبيعي”، قادر على المنافسة السياسية “الطبيعية” في كل التضاريس السياسية بشكل لن يثير الاحزاب التقليدية و يدخلها في هستيرية الخوف من كائن سياسي منافس لكنه مجهول الهوية بالنسبة لهم، خاصة و المغرب – أمام أزمة مسلسل الانصاف و المصالحة الراهن/ العادي – في حاجة الى بروز مؤسسة سياسية حزبية تستطيع أن تلم حولها العدد الكافي من الناس لبلورة مشروع مجتمعي حداثي –ديمقراطي يرتكز أساسا على التربية والثقافة وبناء حفظ كرامة الإنسان. و هذا سيكون في صالح العملية الديمقراطية خاصة اذا استطاع هذا التيار الجديد مصالحة الناس مع السياسية و الممارسات الانتخابية و تجاوز من “يربح” الانتخابات و يسير البلاد، عقب ذلك، بعدد المصوتين عليهم وهذا يشكل أكبر إساءةلتجربتنا الديمقراطية .
انتهي
عبدالسلام بوطيب*
نائب رئيس سابق – مؤسس للمنتدي المغربي للحقيقة و الانصاف
عضو المجلس الوطني لحزب الاصالة و المعاصرة