مبارك بلقاسم:

“الأمازيغية لم تَدْخُلْ بَعْدُ المدرسةَ ولم يُشرَع في تدريسها.”
– محمد بودهان 26-07-2014
“… فسيكون الأمازيغ سعداء بكتابة لغتهم بالحرف اللاتيني الكوني الذي سيفتح آفاق تطور أرْحَبَ للغتهم.”
– أحمد عصيد 15-06-2011

في هذا المقال سنناقش هذه المواضيع الخطيرة:
– ضرورة تعديل الفصل 5 الظالم في الدستور المغربي للمساواة بين الأمازيغية والعربية.
– ضرورة حذف “القانون التنظيمي للأمازيغية” لأنه مصمم خصيصا لتقييد وتأجيل ترسيم الأمازيغية. فإما أن يكون هناك “قانون تنظيمي للأمازيغية والعربية” وإما لا داعي لقانون تنظيمي يشنق لغة دون الأخرى.
– ضرورة تجاوز الإيركام لكونه مركزا ثقافيا فولكلرويايشتغل خارج المحاسبة ويعيق الأمازيغية،وضرورة تأسيس أكاديمية أمازيغية بمستوى جامعة تابعة لوزارة التعليم العالي وقابلة للمحاسبة وتتخصص فيتكوين الأساتذة والمترجمين والصحفيين والباحثين وفي ترجمة القوانين والعلوم.
– ضرورة الانتقال إلى تدريس وترسيم وتعميم اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني بسبب فشل التعليم بحرف ثيفيناغ واستحالة ترسيم الأمازيغية ترسيما وظيفيا حقيقيا بحرف ثيفيناغ في الظروف الحالية.
1) أنصار ونشطاء الأمازيغية يطالبون بـ”قانون تنظيمي” هدفه تأجيل وتقييد الأمازيغية!
يخيل للعوام والسذج أن امتلاك الأمازيغية لـ”قانون تنظيمي”يشنقها ويقيدها ويؤجل ترسيمها بعشرات السنين هو “مكسب” في حد ذاته. وهذا يشبه من يفتخر بـ”امتلاكه” قيدا حديديا يقيد يديه ورجليه.
ليس كل قانون شيئا إيجابيا. و”القانون التنظيمي للأمازيغية” كارثة أخرى على الأمازيغية لأنه مبني على أساس فاسد وهو الفصل الدستوري الخامس الظالم للأمازيغية.
ينتقل كثير من أنصار الأمازيغية من وهم إلى وهم ومن حلم يائس إلى حلم يائس حين يعلقون آمالهم على مركز ثقافي فولكلوري اسمه “المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية” (الإيركام) أولا، ثم يتوسلون الدولة لكي تصدر لهم “القانون التنظيمي” ثانيا، بينما هذا “القانون التنظيمي” اختراع مخزني صرف أصلا.
لقد ترسخ الإيركام كمركز ثقافي فولكلوري وظيفته “گولو لعام زين”، فانتقل نشطاء الأمازيغية الآن إلى تعليق آمالهم الانتظارية على قانون اخترعه المخزن (ولم تطالب به الحركة الأمازيغية أبدا) اسمه “القانون التنظيمي” هدفه تأجيل وتقييد الأمازيغية لعشرات السنين.
فالذين ابتدعوا وروجوا فكرة “القانون التنظيمي للأمازيغية” يتظاهرون بأن الدولة المغربية لا تعرف كيف ترسّم اللغات وأنها ستحتاج إلى قانون خاص لفعل ذلك. فكيف نجحت الدولة المغربية في ترسيم الفرنسية والعربية بدون أي قانون يا ترى؟!
يتجاهل نشطاء الأمازيغية صلب المشكل ألا وهو: الترسيم الأعوج الظالم للأمازيغية في الفصل 5 من الدستور المغربي. فهذا الفصل الخامس الظالم يقيد الأمازيغية بـ”قانون تنظيمي” مؤجل ممرحل ولا يقيد العربية بأي قانون تنظيمي. وهذا الفصل الخامس يقول عبر خدعة بلاغية إنشائية إن الأمازيغية لغة رسمية من درجة ثانية وأن العربية ستظل اللغة الرسمية الأولى.
أما بعض نشطاء الأمازيغية فإنهم يضحكون على أنفسهم حين يرددون كلاما من نسج خيالهم مفادهأن الدستور يعترف بالأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية!! غلط. نوض من النعاس. الدستور يقول إن العربية هي اللغة الرسمية الأولى أما الأمازيغية فهي مجرد لغة رسمية ثانوية. ثم يقوم هذا الدستور بتقييد وتأجيل الأمازيغية بـ”قانون تنظيمي” ممرحل (لم يطالب به أحد وإنما اخترعه المخزن) يجعل الأمازيغية مؤجلة الترسيم بعشرات السنين، بل إن الدستوريقزم ويحصر ترسيم الأمازيغية في ما يسميه “مجالات الحياة العامة ذات الأولوية” ويستخدم عبارة “مستقبلا”!
المشكل رقم 1 يوجد في الدستور. لهذا يجب تغيير الفصل 5 عبر حذف حكاية “القانون التنظيمي” وبقية المراوغات البلاغية والخدع البيروقراطية، ويجب إقرار المساواة التامة بين الأمازيغية والعربية في نفس الجملة. أنصار الأمازيغية يسقطون في الفخ حين يتوسلون الدولة أن تصدر لهم “القانون التنظيمي” المصمم خصيصا لتأجيل وتقييد الأمازيغية بدل أن يناضلوا لتصحيح الفصل الخامس من الدستور.
2) انتهاء صلاحية الإيركام الفولكلوري وضرورة تأسيس أكاديمية أمازيغية حقيقية:
لقد انتهت صلاحية المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام) وأصبح الآن يتصرف كمركز ثقافي فولكلوري وظيفته هي “تثمين المنجزات” و”الاحتفاء بالمكتسبات” و”گولو لعام زين” وتمجيد الذات وتوزيع الجوائز والاحتفال بالأعياد الوطنية والعالمية وتنظيم بعض الندوات ونشر بعض الكتيبات. فالإيركام ليس مؤسسة أكاديمية بل هو مجرد مركز ثقافي.
لقد أصبح ضروريا أن يتم تجاوز هذه المؤسسة الثقافية الفولكلورية وتأسيسأكاديمية أمازيغية حقيقية (بمستوى جامعة) متخصصة في تكوين الأساتذة والموظفين والمترجمين والصحفيين والباحثين بشكل منتظم لجعل عملية تدريس الأمازيغية وترسيمها قابلة للتنفيذ (وهي مشلولة حاليا). كما يجب الانتقال إلى استعمال الحرف اللاتيني في تدريس الأمازيغية وترسيمها لأنه الحرف الوحيد الذي يستطيع جعل التدريس والترسيم (الوظيفي وليس الديكوري) قابلا للتنفيذ في الظروف الحالية بالمغرب.
إن تأسيس أكاديمية أمازيغية مغربية حقيقية (بمستوى جامعة وليس بمستوى “مركز ثقافي فولكلوري”) ليس فكرة من اختراعي بل سبق الكثيرون من مناضلي ونشطاء الأمازيغية بالمغرب أن دعوا إليها منذ سنين طويلة قبل وبعد تأسيس الإيركام.
ويجدر التنبيه إلى أن الدستور الجزائري الجديد للعام 2016 قد نص في المادة 4 على تأسيس “مجمع جزائري للغة الأمازيغية” علما أن هناك أصلا مؤسستان أخريان في الجزائر خاصتان بالأمازيغية وهما “المفوضية السامية للأمازيغية” HCA(التي تأسست في 1995) و”المركز الوطني البيداغوجي واللغوي لتعليم تامازيغت” CNPLET (الذي تأسس في 2003).
3) اللغة الأمازيغية في المغرب سائرة إلى الهاوية والإيركام يقول “لعام زين”:
تمر الشهور والسنون وحالة اللغة الأمازيغية بالمغرب تنتقل بهدوء من المستوى الكارثي إلى المستوى الانقراضي. فالأمازيغية تتناقص ديموغرافيا بشكل متسارع بشهادة أرقام الإحصاء السكاني وتستمر في الغياب عن الإعلام المكتوب والمرئي (إذا استثنينا الفولكلور). واليوم أصبحتنسبة المغاربة القادرين على كتابة وتحدث الفرنسية (قليلا أو كثيرا) أزيد من 44% بينما لا تتجاوز نسبةالمغاربة الناطقين باللغة الأمازيغية 26.7%حسب أرقام المندوبية السامية للإحصاءHCP.
أما تدريس الأمازيغية بثيفيناغ في المدارس الابتدائية بالمغرب فقد ثبت فشله بشهادة الجميع تقريبا (باستثناء الإيركام الوفي لمقولة “گولو لعام زين”). وتدريس الأمازيغية بالثانوي موضوع لامفكر فيه لأن حرف ثيفيناغ يملي ضرورة تغطية الابتدائي ثم الإعدادي أولا وهذا سيستغرق 20 أو 40 عاما. أما الحرف اللاتيني فهو يسهل لتلاميذ الثانوي الآن أن يدرسوا الأمازيغية فورا حتى لو لم يدرسوها في الابتدائي، أي كما يدرسون الألمانية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية في الثانوي من الصفر.
وترسيم الأمازيغية بحرف ثيفيناغ معدوم الأفق ومعدوم المنفعة الوظيفية لأن لا أحد يقرأ ثيفيناغ ولا أحد يكتب ثيفيناغ، بخلاف الحرف اللاتيني الذي يفتح آفاقا أوسعوأرحب للأمازيغية (كما يؤكد الأستاذ أحمد عصيد مثلا) ويجعل تدريسها في متناول الملايين ويجعل ترسيمها(الحقيقي/الوظيفي وليس الديكوري) قابلا للتنفيذفي المدى المنظور وذا منفعة وظيفية واضحة تتمثل في قدرة أي مغربي متعلم على قراءة أي نص أمازيغي مكتوب بالحرف اللاتيني.
نشطاء وأنصار ومثقفو الأمازيغية يعلمون علم اليقين أن الحرف اللاتيني هو الأنفع لتدريس وترسيم الأمازيغية وأن الاختيار الفجائي لثيفيناغ من طرف الإيركام في يناير 2003 (في تصويت سياسي لاأكاديمي لاعلمي) كان كارثة ما زالت الأمازيغية تدفع ثمنها الآن، ولكنهم صامتون واجمون. فهل يتكلمون؟
إن الأعضاء السبعة الذين انسحبوا من الإيركام دفعة واحدة عام 2005 بقرار جماعي احتجاجا على الإيركام وعلى سياسة الدولة لم ينسحبوا من فراغ ولم يتخلوا عن مناصبهم من فراغ وإنما انسحبوا لأنهم عرفوا أن الأمازيغية “غاديا للحيط” فرفضوا أن يشاركوا في مراسيم قتلها وتحنيطها.
(بالنسبة لمن لم يعلم بالموضوع فالأعضاء السبعة المنسحبون جماعيا من الإيركام عام 2005 هم: محمد بودهان، الدكتور عبد الملك حوسين أوسادن، حسن بنعقية، محمد أجعجاع، إغراز ميمون، علي بوكرين، علي خداوي).
4) كيف وصلت اللغة الأمازيغية إلى وضعها الكارثي الحالي؟
الحالة الكارثية التي وصلت إليها اللغة الأمازيغية بالمغرب هي مجموع لـ”مساهمات” أطراف عديدة:
– أولا: الدولة نهجت “سياسة التعريبوالفرنسة” في المدارس والإدارات والتلفزة والراديو والمنشوراتمنذ 1912 وبشكل أقوى منذ 1956 ومقرونة بمنعها للأمازيغية. والآن لم تعد الدولة تظهر بمظهر من يقمع الأمازيغية لأن البنية التحتية التعريبية والمفرنسة قد اكتملت وتم إرساؤها وأصبحت تشتغل بشكل شبه أتوماتيكي. والدولة اليوم تكتفي ببعض أعمال الصيانة لهذه السياسة التعريبية المفرنسة مع رش بعض نكهات الفولكلور الأمازيغي التيفيناغي من حين لآخر على بعض الجدران والواجهات.
– ثانيا: التعريبيون والإسلاميون مستمرون في شن حملات شعواء ضد اللغة الأمازيغية ويحاولون دائما منعها أو فرض الحرف العربي عليها لتعريبها وأسلمتها (لأنهم يخافون من التجربة التركية الناجحة مع الحرف اللاتيني). وهذا الضغط التعريبي الإسلامي هو الذي جعل الإيركام يتراجع مذعورا في يناير2003 عن تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني (الذي أجمع عليه الأكاديميون والنشطاء)، فقرر الإيركام أن يهرب إلى خيار حرف ثيفيناغ الانتحاري الذي أثبت اليوم فشله وانسداد أفقه.
– ثالثا: نشطاء ومثقفو الأمازيغية والمتعلمون تعليما عاليا يصومون عن الكتابة بالأمازيغية وينتظرون من الدولة أن تكتب لهم الأمازيغية بثيفيناغ وتنشرها لهم في كل مكان بينما لا أحد يقرأ حرف ثيفيناغ بالمغرب، وموظفو الدولة لا يستطيعون التعامل مع حرف ثيفيناغ لأنهم لم يتعلموه (بينما يستطيعون التعامل مع الحرف اللاتيني بسهولة مهما كانت اللغة المكتوبة به: أمازيغية أو فرنسية أو إنجليزية).
– رابعا: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام) ليس مؤسسة أكاديمية على الإطلاق وقد ضيع الكثير من وقت الأمازيغية في الفولكلوريات والشكليات والاحتفاليات وفي محاولة ترويج حرف ثيفيناغ بدل ترويج الأمازيغية نفسها.الإيركام خليط عجيب غريب من “مركز ثقافي” و”قاعة للندوات والاحتفالات” و”دار نشر” و”وكالة لدعم الجمعيات والمؤلفين”. أما حصيلته الأكاديمية فهزيلة إذ إنه عاجز عن إنجاز ترجمة محترمة خالية من الأخطاء للدستور المغربي، ومعظم منشوراته مكتوبة بالعربية والفرنسية وحصيلته الترجمية إلى الأمازيغية تقترب من الصفر.
لقد أصبح الإيركام اليوم عائقا أمام الأمازيغية وسببا في تشتيت الانتباه وتضييع الوقت وتهريب النقاش فضلا عن تخصصه في تضييع الأموال في الندوات الإنشائية والاحتفالات الفولكلورية والريع الجمعوي واحتفاليات الذكرى كذا وكذا لتأسيس المعهد وكأنه خلق لتمجيد ذاته بذاته في ذاته. وهناك لائحة طويلة عريضة من احتفالات الإيركام بالمناسبات والأعياد حتى أنه يصح أن نعتبره قاعة للحفلات بامتياز. فهذا الإيركام يحتفل بـ”عيد الموسيقى” و”اليوم العالمي للشعر” و”الذكرى كذا وكذا لتأسيس الإيركام” و”عيد إقرار ثيفيناغ” و”اليوم العالمي للغة الأم” و”عيد السنة الأمازيغية” و”اليوم العالمي للمرأة” و”اليوم العالمي لحقوق الإنسان” و”اليوم العالمي للمتاحف”…إلخ. هذه الاحتفالات الفولكلورية الأمازيغية والعالمية لا عيب فيها في حد ذاتها ولكن ما علاقة ذلك باللغة الأمازيغية ومشاكلها الآنية العويصة على الميدان؟!
الإيركام مركز ثقافوي فولكلوري احتفاليينشر بعض الكتب والقواميس من حين لآخر (كأي دار نشر أخرى) وقد حان الوقت لتجاوز هذا الإيركام وتأسيس أكاديمية أمازيغية حقيقية بمستوى جامعة تكون متخصصة في تكوين الأساتذة والمترجمين والصحفيين والباحثين وقادرة على ترجمة القوانين والمراجع العلمية (فيزياء، بيولوجيا…إلخ) إلى اللغة الأمازيغية وبعيدة عن الاحتفاليات والفولكلوريات والمهرجانيات.
أما الدعم المالي للمؤلفين المغاربة باللغة الأمازيغية فيجب أن يمر من قناته الطبيعية ألا وهي وزارة الثقافة.
5) الحرف اللاتيني أنفع من ثيفيناغ لتدريس وترسيم وتعميم الأمازيغية:
لقد انسحبت الحركة الأمازيغية من اللغة الأمازيغية. أكرر: لقد انسحبت الحركة الأمازيغية من اللغة الأمازيغية، وقررت أن تتخصص في مجال واحد ألا وهو “مطالبة الدولة بتنزيل القانون التنظيمي” وهو قانون اخترعه المخزن أصلا لفرملة وتأجيل الترسيم الدستوري الناقص والمشوه أصلا.
نشطاء أمازيغية القرن 21 غير مهتمين بكتابة اللغة الأمازيغية بأي حرف. فالحرف العربي مرفوض من طرف أنصار الأمازيغية لأسباب تقنية وعلمية وأيديولوجية. والحرف اللاتيني يتهربون منه خوفا من زمجرات الإسلاميين أو تملقا للإيركام أو حبا في جمالية ثيفيناغ البصرية الشكلية أو لسبب آخر. أما حرف ثيفيناغ فيتهربون من الكتابة بهلأن لا أحد يقرأه ويستخدمه بالمغرب بمن فيهم هؤلاء النشطاء أنفسهم. نشطاء الأمازيغية يعلمون أن لا أحد سيقرأ مقالاتهم أو بياناتهم المكتوبة بحرف ثيفيناغ فلا يكلفون أنفسهم عناء الكتابة به.
وخلافا لما يتوهمه قليلو الخبرة فإن إتقان الكتابة والقراءة بحرف جديد على المرء لا يتطلب 10 دقائق بل يتطلب سنوات وسنوات من التمرن وإلا فلا داعي لأن تكون هناك مدارس ابتدائية وثانوية. هناك فرق بين تركيب بضعة حروف ثيفيناغية أو روسية أو عبرية لتكتب بها اسمك الشخصي وبين إتقان تلك الحروف الجديدة عليك في القراءة والكتابة والمراسلات والدراسة بنصوص كبيرة ومعقدة.
كما أن هناك بعض ضعيفي الاطلاع الذين يتوهمون ويزعمون أن الحرف اللاتيني لا يكتب الأمازيغية بشكل دقيق،وقد تصديت لهذا الزعم مرارا وبينت خطأه وسخفه. وأيضا كنت قد بينت مرارا أن “الحرف اللاتيني” شيء و”اللغة الفرنسية” شيء آخر تماما. فالحرف اللاتيني أقدم من اللغة الفرنسية نفسها. والحرف اللاتيني ليس فرنسيا بل هو ظهر في إيطاليا قبل ظهور الإمبراطورية الرومانية.
هذا الحرف اللاتيني الأمازيغي ABCČDḌEƐFGǦƔHḤIJKLMNOQRŘṚSṢTṬUWXYZẒ بحروفه الـ35 ليس حرفا للغة الفرنسية ولا الإسبانية ولا الإنجليزية ولا التركية ولا الماليزية وإنما هو مستعمل في الأمازيغية.
6) يجب تجاوز الإيركام الفولكلوري وتأسيس أكاديمية أمازيغية حقيقية:
لقد أصبح المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام) يتبلور بسلوكاته وسياساته وعقليته الفولكلورية والثقافويةكعقبة ضارة باللغة الأمازيغية تمنعها من التقدم وهو الذي كان يعتقد الناس أنه سيقدم خدمات جليلة للأمازيغية.الإيركام تحول إلى نوع من “المركز الثقافي البلدي” يتخصص في تنظيم الاحتفاليات والفولكلوريات والندوات الصالونية بعيدا عن مشاكل اللغة الأمازيغية على أرض الواقع.
وعلى المستوى اللغوي والأكاديمي فإن حصيلة المعهد هزيلة جدا، وهو يتصرف مثل دار نشر تنشر بعض كتب الأطفال وبعض القواميس والكتابات الأنثروبولوجية والفولكلورية التي لا يقرأها إلا بضعة مثقفين هواة ولا أثر لها على أرض الواقع الذي يشهد انقراض الأمازيغية باستمرار من المدن وفشلا ذريعا لتدريس اللغة الأمازيغية وانعزالا للأمازيغية عن الشباب المغربي المثقف والمتعلم في المدن.
ما بين 2003 إلى اليوم نشر الإيركام حوالي 300 كتاب أو كتيب أو نشرة (بمعدل حوالي 20 عنوانا في السنة) بعضها قواميس صغيرة أو كتب أطفال (يعدها مركز تهيئته اللغوية CAL) ومعظمها مؤلفات ونشراتبالعربية أو بالفرنسية وجزء آخر منها هو مجرد إعادة طباعة لكتب أو أبحاث كانت منشورة قبل تأسيس الإيركام. إن نشر بعض القواميسوالدراسات وقصص الأطفال ليس عملا جبارا ولا خارقا، وأية دار نشر تستطيع فعل ذلك. ومعظم القواميس والدراسات والقصصالأمازيغية بالمغرب والجزائر نشرها أفراد بمجهود فردي ومنها “المعجم العربي الأمازيغي” للأستاذ محمد شفيق (المنشور في 1993) و”القاموس القانوني الأمازيغي”Amawal Azerfan للأستاذ أحمد الدغرني (المنشور في 1996) و”قاموس التربية” Tamawalt Usegmi للدكتور بلعيد بودريس (المنشور عام 1993).
وواحدة من مزاعم الإيركام الرئيسية التي يروجها في الإعلام ويرددها وراءه البعض هي أنه صنع أو سيصنع “أمازيغية معيارا” أي نوعا من “الأمازيغية الفصحى” المحاكية لـ”العربية الفصحى”. الحقيقة هي أن الإيركام لم يصنع أي “أمازيغية معيار” ولا أية “أمازيغية فصحى” ولا يستطيع، ولا يجب أن يصنعها أصلا لأن اللغة الأمازيغية موجودة أصلا شفويا وكتابيا قبل خلق الإيركام ولا تحتاج إلى من يخترعها من جديد. وهذه الخرافة (“الأمازيغية المعيار”) التي يمررها الإيركام على الإعلام المغربي لا تتعرض للتحدي ولا للفحص لأن المغاربة لا يستطيعون قراءة أي شيء مكتوب بحرف ثيفيناغ.
أنا أؤكد للمغاربة الذين لا يعرفون اللغة الأمازيغية أنه لا توجد “أمازيغية معيار” وأن الإيركام لم يصنع “أمازيغية معيارية”. كل ما يفعله الإيركام هو أنهيقتبس من القواميس الأمازيغية القديمة لتأليف بعض كتب الأطفال وبعض القواميس الأمازيغية الخفيفة بحرف ثيفيناغ ثم يطبعها على ورق لامع مصقول فيسمي ذلك “أمازيغية معيارية”.
ويتوهم كثير من المغاربة أن الإيركام هو أول من نشر القواميس الأمازيغية. وهذا وهم. أما الحقيقة فهي أن الإيركام ليس مؤسسة أكاديمية على الإطلاقولا يقوم بأية دراسات أكاديمية ذات بال وإنما هو يقتات على آلاف الكتب والدراسات الأمازيغية السابقة التي أنجزها باحثون مغاربة وجزائريون وأوروبيون لسنوات أو لعقود من الزمن قبل تأسيس الإيركام عام 2001. وأحيانا يتصرف الإيركام كدار نشر فيطبع بعض الدراسات الأمازيغية القديمة أو الجديدة لبعض الأكاديميين المغاربة.
وقد برهن الإيركام على فشله في الإنتاج باللغة الأمازيغية في المجال العملي الحقيقي عندما أخرج ترجمة رديئة وكارثية للدستور المغربي إلى الأمازيغية بحرف ثيفيناغ تنخرها الأخطاء النحوية والإملائية والاصطلاحية.وكنت قد فضحت الأخطاء الفادحة في تلك الترجمة الإيركامية للدستور في مقال سابق لي منشور على عدة مواقع مغربية. ومنذئذ اختفت تلك الترجمة الإيركامية للدستور من موقع الإيركام تماما. كيف يعقل أن يتم ترسيم الأمازيغية في إدارات الدولة تحت رعاية هذا الإيركام العاجز حتى عن ترجمة الدستور المغربي إلى اللغة الأمازيغية ترجمة دقيقة خالية من الأغلاط؟!
إذا عرف السبب بطل العجب. ها هو السبب: الإيركام ليس مؤسسة أكاديمية حقيقية بل هو مركز ثقافي فولكلوري احتفالي ينشر بعض الكتب من حين لآخر.
وكنت قد قدمت للمغاربة في 2016 ترجمتي الكاملة للدستور المغربي إلى اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني. راجع مقالي: “الدستور المغربي: الترجمة الأمازيغية الكاملة بالحرف اللاتيني”.
أو راجع ترجمتيللدستور هنا:
http://www.freemorocco.com/tamendawt.pdf
واليوم يستمر الإيركام في سلوكاته الفولكلورية الثقافوية من ندوات احتفالية ولقاءات “تثمينية” ومهرجانات يحتفل فيها بذكرى تأسيس المعهد الملكي وذكرى حرفTifinaghe-Ircamأو بتوزيع الجوائز على فلان وفلانة واليوم العالمي لكذا وكذا والعيد الوطني لكذا وكذا والذكرى التاسعة لكذا وكذا والذكرى الخامسة لكذا وكذاونحو ذلك مما لا ينفع اللغة الأمازيغية على أرض الواقع بميليغرام واحد.
لقد تبين لنا بما فيه الكفاية أن هذا الإيركام الفولكلوري عائق أمام الأمازيغية لم ينجز أي شيء يذكر إلا الشكليات ونشر بعض القواميس والكتيبات بثيفيناغ. الإيركام مؤسسة هلامية مائعة حيث أنه ليس بمؤسسة أكاديمية حقيقية ولا بمؤسسة بحثية ولا بدار نشر حقيقية ولا بمركز ثقافي ترفيهي وإنما هو خليط لا طعم له يتكون من قليل من هذاوقليل من ذاك.
وإحدى مشاكل هذا الإيركام الفولكلوري هي أنه غير قابل للمحاسبة لأنه غير تابع لأية وزارة. بينما يجب أن تكون أية مؤسسة جامعية أكاديمية أو ثقافية تابعة لوزارة محددة وقابلة للمحاسبة ماليا وعلميا وأكاديميا من طرف الشعب وممثليه.
اللغة الأمازيغية تحتاج إلى مؤسسة أكاديمية حقيقيةقابلة للمحاسبةومتخصصة في تكوين الأساتذة والمترجمين والصحفيين والباحثين لتكون بمثابة جامعة تابعة لوزارة التعليم العالي كأية جامعة أخرى.
7) مناقشة الطابوهات الأمازيغية، والحلول المقترحة لإنقاذ الأمازيغية من الهاوية:
من أجل إنقاذ اللغة الأمازيغية بالمغرب من الموت المحقق الذي يبتلعها رويدا رويدا أقترح أولا أن يتشجع المهتمون بالأمازيغية على إطلاق نقاش وطني حول الطابوهات الأمازيغية مثل: الحرف اللاتيني، حرف ثيفيناغ، علة وجود هذا الإيركام الفولكلوري، الأكاديمية الأمازيغية، تغيير منهجية تدريس الأمازيغية والاهتمام بالثانوي، التراجع الديموغرافي الرهيب والمتسارع للناطقين بالأمازيغية، تعديل الفصل الخامس من الدستور وإلغاء ألعوبة “القانون التنظيمي”. كما تجب مناقشة مواضيع أخرى بعيدة نوعا ما مثل ضرورة التخلص من الفرنسية وضرورة تدريس الإنجليزية للمغاربة.
وشخصيا أقترح هذه الحلول الاستعجالية لإنقاذ الأمازيغية من الهاوية:
1 – تجاوز المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام) بعد أن أصبح معدوم الفائدة ومضيعة للمال والوقت ومنصة لفلكرة الأمازيغية وتحنيطها الثقافوي المهرجاني. وتأسيس أكاديمية أمازيغية حقيقية قابلة للمحاسبةوتابعة لوزارة التعليم العالي كبقية الجامعات، وأن تكون هذه الأكاديمية متخصصة في تكوين أفواج كبيرة من الأساتذة والموظفين والمترجمين والصحفيين والباحثين وإعداد الكتب المدرسية والجامعية وإعداد ترجمات القوانين وترجمة المراجع العلمية الأكاديميةإلى اللغة الأمازيغية (مثل مراجع الطب والبيولوجيا والفيزياء).
2 – تدريس اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني وإعطاء الأولوية القصوى لتغطية التعليم الثانوي التأهيلي (الذي هو بوابة الجامعة) بمادة اللغة الأمازيغية الإجبارية (لساعتين في الأسبوع مثلا كالألمانية والإنجليزية والإسبانية) من أجل ربح الوقت وتكوين الجيل الحالي من تلاميذ الثانوي في مادة اللغة الأمازيغية بدل انتظار الجيل القادم بعد 30 سنة، ثم الانتقال تدريجيا إلى تغطية الإعدادي ثم الابتدائي بمادة اللغة الأمازيغية الإجبارية.
3 – تعديل الفصل الخامس من الدستور المغربي وحذف حكاية “القانون التنظيمي” و”المراحل”، والتنصيص على ترسيم الأمازيغية بعبارة بسيطة ومباشرة وواضحة وقاطعة (بلا مراوغات إنشائية) مثل:
“اللغتان الرسميتان للدولة المغربية هما اللغة الأمازيغية واللغة العربية. تقوم الدولة على تدريس اللغتين الأمازيغية والعربية لكل المواطنين والمواطنات وتقوم باستخدامهما فورا كلغتين رسميتين في كل الإدارات والمؤسسات والوثائق واللوحات والمصالح العمومية بمساواة تامة بينهما. وتضمن الدولة لكل مواطن ومواطنة حق الاختيار في استخدام الأمازيغية أو العربية شفويا وكتابيا في كل الإدارات والمصالح والمؤسسات والمحاكم وحق تلقي كل الوثائق والخدمات باللغة التي يختارها منهما.”
4 – التخلي عن عقلية “الأمازيغية المعيار” التأحيدية الفاشلةوعقلية “نشرة اللهجات” التقسيمية العقيمة وتبني فكرة “اللغة الأمازيغية” التي هي مجموع لهجاتها كما في رؤية ومنهجيةالوحدة الأمازيغية للأستاذ الكبير محمد شفيق في معجمه العربي الأمازيغي العملاق وأعماله الأخرى، وأيضا كما في رؤية الوحدة الأمازيغية لدى الأستاذ الجزائري الراحل Mouloud Mammeri صاحب Amawal وTajerrumt.
الخلاصة: نكون أو لا نكونAd nili niɣ wer nettili.
لا مجال للمساومات ولا مجال للقناعة بالفتات الفولكلوري.
tussna@gmail.com