عبد السلام بوطيب*
أناديكم .. أناديكم باستعجال!!
أناديكم جميعا، دولة، و”حركة احتجاجية مطلبية” من أجل التهدئة:
فرسالتي إليكم مصقولة بعمق نفسي، وانتماء وجداني، وطموح وطني. فأنا مثلكم ابن الريف وتاريخه؛ أمجاده وانكساراته، طموحاته ومعاناته، وأنا مثلكم ابن هذا الوطن الممتد من طنجة إلى الكويرة. الوطن المؤمن بذكائه الجماعي القادر على تجاوز الهزات والمحن، والقادر على تغليب العقل عندما تحتد العاطفة.
أناديكم باسم ذات الألم الذي تقاسمناه عبر فترات مختلفة؛ ألم دفين أحمله معي لمدة ثلاثة وثلاثين سنة؛ ألم صدى ارتطام رأس والدي بالسياج الحديدي الذي كان يفصلني عنه في أول زيارة له لي بالسجن شتاء 1984، فقد هم لمعانقتي دون أن ينتبه أن سياجين، وحارس فظ غليظ يفصلني عنه.
أناديكم مستحضرا حادثا كاد يؤدي بوحدة عائلتي أيام كنت معتقلا: والدتي تثور في وجه والدي، الريفي الأبي، مخيرة إياه بين مرافقتها إياه لزيارتي الى السجن بمدينة وجدة، أو أن تغادر البيت، وتأتي إلي ماشية على أقدامها، وهي المرأة التي لم تسافر خارج المدينة أبدا، ولم يكن يسمح لها أبي، رحمه الله، بمغادرة البيت إلا لماما لزيارة والدتها، وعندما أخبرها باكيا، وهي ليست من عادات رجال الريف أمام نسائهم، أنه لا يملك ولو فلسا، جمعت كل ما تملك من أساور نحاسية وفضية وما يشبه الذهبية، ووضعتها في يده طالبة منه بيعها، غير عارفة أن ثمن كل ذلك لن يشتري لها، ولو بطاقة سفر إلى بلدة إمزورن، وبالأحرى إلى مدينة وجدة.
أناديكم على إيقاع تذكر صوت انفجار رئتي صديقي ورفيقي عبد الحكيم بنشماس، الضحية الأبدي نفسيا لأحداث 1958-59 وإن لم يعشها، في اليوم الثالث عشر من إضراب عن الطعام دما عندما منعونا في السجن من متابعة الدراسة فدخلنا في اضراب مفتوح عن الطعام، وظل لعدة شهور وشهور في مستشفى الأمراض الصدرية، وهو المرض الذي أصيب به في المخافر السرية التي كنا فيها قبل ترحيلنا إلى السجن ذات فجر على ايقاع أوامر “مغلقة” للوزير الراحل إدريس البصري.
أناديكم مستحضرا لحظة فقدان أحد الرفاق لتوزازنه العقلي، وإلى الأبد وهو يتحدث إلينا في ساحة السجن، مناقشا معاركنا السجنية المقبلة لتحسين وضعيتنا، وظل هكذا فاقدا عقله إلى أن هام على الأرض بعد خروجه من السجن، ولم يعد يتذكره أحد، وعندما التقيته صدفة يوم ذهابنا إلى الحسيمة في إطار المبادرة المدنية من أجل الريف، سألني عن تلك الأيام الجميلة التي قضيناها بمدينة أمستردام، والحال أنني لم أسافر معه قط إلى أي مدينة في العالم. ولعله يريد إخباري بأن ما عشناه في السجن كان أرحم مما يعيشه اليوم.
أناديكم، وأنا ابن المعاناة نفسها، وابن الريف المعتز بنبله وقيمه الراقية، والحالم بحغرافية الوطن الواحد المتكامل، المتضامن، المتساوي ..اناديكم وأنا الذي اخترت طوعا واقتناعا، وبشجاعة، الانخراط في مسلسل الإنصاف والمصالحة ، ولم أسمح لنفسي، بعد اصدار التقرير النهائي، إلا الاحتفاظ بهذه الصور، كنوع من حماية نفسي ضد النسيان المكلس للتفكير المتجدد، بعد أن نسيت كل فضاعات الاعتقال والتعذيب والمكوث الطويل وراء القضبان، وانفتحت على المستقبل بكل ما بقي لدي من طاقة تضعف عند أول مشهد للظلم والاعتداء على كرامة البشر والدوس على حقوق الناس.
أناديكم اليوم، وطاقة استحمال الوضع الذي نعيش على إيقاعه بالريف تكاد تنتهى، وهو ما ينتظره المتربصون بالمنطقة والبلد برمته،
أناديكم ونحن على بعد أسبوع من عيد فطر حلمنا أن نحتفل به مع كل المعتقلين في ملف “الدرس الديمقراطي الريفي”، وهم خارج الأسوار يستمتعون بحريتهم التي يستحقون، وقد تحققت أمانيهم، أو تم الشروع في تحقيقها.
أناديكم باسم مغرب الغد، باسم المغرب الذي سنتركه عندما نرحل لأبنائنا، ومن سيأتي من بعدهم،
أناديكم باسم أحلام طفولتنا في الريف حتى لا تتحول نفسيتها إلى نفسية طفولات الحروب والمآسي، ونحكم على مستقبل البلد بما لا نريده له،
أناديكم حتى نفوت الفرصة على من يتربص بأحلامنا، على من يريد أن نستمر، نحن الريفيون وساكنة مغرب الهامش، في القبض على قرن البقرة الحلوب ليحلبها المغرضون؛
أناديكم باسم المستقبل، وضرورة الانفتاح عليه، واستمرار الصراع من أجل تحقيق أحلامنا في المغرب الذي يجب أن يتسع لنا جميعا،
أناديكم لنساهم جميعا – بتواضع المواطنين، العارفين بكنه الأشياء ومساراتها، أن نبحث عن مخرج للأزمة التي يعيشها الوطن على إيقاع ما نعيشه في الريف الذي يسكننا،
أناديكم لأقول لكم إن مخرج الأزمة التي نعيشها في الريف تمر وبالضرورة عبر مرحلة للتهدئة، نسمح فيها لكل ذوي النيات الحسنة بالتدخل من أجل تقريب وجهات النظر، والبحث عن الحلول المستعجلة لنستمع بريفنا،
أناديكم وأنادي معكم الدولة لأقول إن الإفراج عن المعتقلين، كافة المعتقلين، وتحقيق مطالب الساكنة، كافة مطالب الساكنة المعقولة، وإعادة المغرب إلى سكة الإنصاف والمصالحة تمر وبالضرورة عبر التأسيس لهذه المرحلة… وما ذلك بعزيز على عقلاء الريف، وعلى من يتحملون مسؤولية القرار.
وتيقنوا، أن أحلامنا بوطن يسع الجميع عدلا وإنصافا هو ما يوجهنا، فإن انتصر العقل وروحه الحوار، انتصر الوطن، لنؤسس لمستقبل مفتوح على ما نتمناه.
عاش الوطن
*رئيس مركز الذاكرة المشتركة للديمقراطية والسلم