صالح همار:
بمناسبة حفل تأبيني أقيم على شرف الأستاذ الجامعي بكلية الآداب بجامعة محمد الأول بوجدة الحدادي أحمد، قرأت وتابعت تدخلات طلبته والذين استفادوا من واسع معرفته باللغة العربية وآدابها. تأثرت الى حد بعيد برقة العبارات التي قيلت في شأنه كما حزنت أيضا لرحيله لانه يعتبر مكتبة أطمرت وقد يستحيل استذكار تلك المعرفة التي دفنت معه…
كانت التعليقات جد متحمسة وكثيرة أيضا…

دفعني ذلك كله إلى أن أطوف بذاكرتي وأحوم حول أرواح الذين علمونا واستفدنا من معرفتهم. كانت نتيجة التطواف غير منتظرة ومفاجئة. لاحضت أن الذين علمونا بصورة مباشرة ورحلوا عنا يعدون بالمئآت، أما الذين درسنا فكرهم ونظرياتهم وامتحنا في بعض مؤلفاتهم، فإنهم يعدون بالملايين.

لم ننكر الجميل قط، بل ترحمنا عنهم ومازلنا نفعل!
لكن رغم هذا الإحساس الحلو والفخر اللذان يعترياني وأنا أستذكر نباهة وبعد النظر والفطنة التي كان هؤلاء الأفذاذ يتميزون بها، يراودني سؤال يفسد علي سعادتي ويعكر علي أجواء تلك الفرحة. سؤال ربما لم أطرحه على أحد من قبل. وقد تعمدت إلقاءه الآن وبهذه المناسبة عل أحدا ما يتفاعل معه ويحاول تسليط الضوء عليه.

رغم كثرة إطرائنا على أساتذتنا الأجلاء والإعتراف لهم بفضلهم علينا … وتجديد الرحمات عليهم، إلا أننا لا نجد لتلك المعرفة وذلك العلم الغزير ترجمة في واقعنا.
منا من أحسن التعلم على أيدي هؤلاء، ومنا من كان نجيبا وهو الآن في طريق الوصول الى ما وصلوا هم اليه ….

لكن أولى العلامات التي تؤشر على أن تلك المعرفة ماهي إلا حبر على ورق أو أفكار تسبح في مخيلة صاحبها هي أن من هؤلاء العالمين والمتعلمين المتألقين النجباء من يتجنب مثلا أن يدلي برأيه في قضية من القضايا الحساسة المتعلقة بمصير بلده بدعوى توخي الحذر والسقوط فيما لايحمد عقباه. لكن رأي هؤلاء العاقلين في بعض الأحيان يعتبر واجبا يمليه عليه حسه الوطني من جهة، وكونه من نخبة البلد الذين راكموا رصيدا معرفيا ماكانوا ليبخلوا به على بلدهم من جهة ثانية. بل منهم من المتملقين من ينحر ضميره المعرفي والوطني فيفتي لصالح أصنامه على حساب وطنه.
هذه هي ثمرة العلم والتحصيل!

متى ستتوقف هذه العملية، عملية استنساخ الدارسين الذين يشبهون أساتذتهم الى حد كبير؟ متى تجد ثقافة وعلم العالم والمتعلم طريقهما الى الواقع؟ ألا ترون معي أن ثمرة هذا الجد والمثابرة في تحصيل العلوم إن هي إلا جهود يقوم بها الفرد الواحد لتكوين نفسه وتأمين وضعه المادي والإجتماعي، دون أن تكون له النية في تعميم الفائدة وإنقاذ مجتمعه من براثين الجهل والتخلف؟ طبعا فالتعميم هنا لا يجوز وليس من العدل أن نسم الجميع بنفس الأسماء!
لا ينكر أحد منا أنه قبل أن تستكمل عقارب الساعة دورتها، تكون المعرفة الكونية بذلك قد تضاعفت وأصبح محصول المثقف المعرفي الذي إكتسبه بالأمس في عداد المتجاوز عنه. فكيف إذا مرت عليه السنين وعجز الإنسان على مسايرة تطورات العصر؟

لنقم جميعا بعملية حسابية تبصرنا بالكمية المعرفية الهائلة التي تفوتنا بعد إنقضاء مدة العزاء حفل التأبين التي يستفيد بها مثقفونا والتي تستغرق ثلاثة أيام وفي بعض الأحيان شهورا!

من المفروض أن يكون التحصيل على الدرجات العلى ثمرة يجنيها المثقف والعالم بعد أن يكونا قد حققا غاية الله في الأرض، ألا وهي “الإعمار”. ألم يكن قصد الله تعالى في سورة هود، آية 61 هو “طلب عمارة الأرض”؟ وذلك يتوصل اليه بعنصرين لا ثالث لهما. الأول يتجلى في الثروات التي سخرها لنا الخالق فوق الأرض، أما الثاني فيكمن في قدراتنا العقلية التي تؤهلنا إلى حسن تدبير تلك الثروات. يبدو أن مراكمتنا للمعرفة والعلوم وتقوية مراكزنا الإجتماعية، والحرص على تأمين محيطنا الأسري … كل ذلك لا يرقى في أن يساهم في تحقيق مفهوم “الإعمار”.

كيف وقد بدا لنا جليا أن حاملي العلم والمعرفة في مجتمعنا إطمأنوا واكتفوا بإلقاء الدروس والمحاضرات وممارسة دور الوعض والإرشاد وبالتالي ممارسة إنتظار الموت كي يوارى “حامل المعرفة” (رفقة حمولته المعرفية) التراب لتتوالى بعد ذالك مراسيم طلب الغفران والإشادة بمنجزات الفقيد.
فطنت الى أن هذا المديح الذي نضفيه على من تعلمنا على أيديهم وأن هذه الطريق الوعرة التي يشقها هؤلاء، ماهي إلا جهود فردية وأحادية الأهداف وأن ثمارها لا يقطفها إلا هو بمفرده وأن غيره لا نسبة له في ذلك التحصيل لا من قريب ولا من بعيد……

تبدو لي المفارقة هنا واضحة!
المدارس والمعاهد والجامعات والمكتبات … تغرق في عالم الفكر بينما في المقابل تجد عالم الناس الذين يعيشون البؤس والمعاناة.

أتساءل كم من معرفة وجامعات تنقصنا كي نخرج الى الشارع ونطالب برغيف الخبز؟ أتساءل أيضا كم من عالم ومفكر ووزارة نحتاج كي نشتري عشر شاحنات تخلصنا من القمامات التي تلاحقنا في مدننا الحبيبة؟
أتساءل كم من مسيرات مليونية يجب تنظيمها كي نطالب ببناء مدرسة؟

آه يابلدي الحبيب!
يسكن فيك العلماء والكتاب والنجباء والعباقرة والسياسيون والمؤمنون وأمراء المؤمنين وكتب السماء فيك تملأ الرفوف والمكتبات……
أفي بلد مثل هذا تفوق فيه الأمية 42%، ويموت خيرة شبابه في البحار بحثا عن الطريق الى الحرية وقيم الإنسانية، ويمنع فيه مواطنوه عن دخول المشافي قصد العلاج ……..؟؟؟؟؟
عدم الإعتراف لمن أسدى إلينا عملا معرفيا أو ترك لنا فكرا قيما يعتبر جحودا لايليق بمن يؤمن بالله ورسوله، لكن الإكتفاء بالترحم وفقط بطلب الرحمة لمن طبعوا أسماءهم على ظهور الكتب دون السعي الى إيجاد الخطى لكي ننفخ في مجتمعنا بروح تلك المعرفة والعلوم ونجعلها فينا روحا نابضة لايليق بأفراد يطمحون الى النمو والرقي، والسمو بإنسانيتهم وسط الأمم !!